الرئيسية / أبحاث / الحرب الناعمة ومقاومة التطبيع

الحرب الناعمة ومقاومة التطبيع

د.محمد طي

الحرب الناعمة ومقاومة التطبيع
مصطلح الحرب الناعمة هو مصطلح جديد نسبياً أطلقه في التسعينات الكاتب والسياسي الأميركي جوزف ناي، وعرّف القوة الناعمة بأنها ” القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام، والقدرة على التأثير في سلوك الآخرين للحصول على النتائج والأهداف المتوخاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية والصلبة”(1). وبعبارات أخرى، تهدف الحرب الناعمة، عبر الإعلام والتخطيط، الى الجذب والاغواء من خلال لعب دور المصلح والمنقذ وتقديم النموذج الثقافي والسياسي وإطلاق عناوين مضللة للعقول ومدغدغة للأحلام، خصوصاً في ظلّ واقعنا المزري الذي يجعل العقل العربي والاسلامي عرضة سهلة للاختراق.
وتكمن خطورة الحرب الناعمة في “نعومتها”، إذا صحّ التعبير. وهي نعومة الأفعى، وخبث الثعلب. ففي حين تؤجج الحرب العسكرية المشاعر القومية والدينية، وتوحّد أبناء الأمة في مواجهة العدو الصريح، فإن الحرب الناعمة تفقد الناس بوصلتهم، فلا يعود العدو معلوماً، وهو المتخفي وراء قناع الحضارة والتقدم والديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها من الجاذبية الثقافية، والمثل السياسية، التي ترمي إلى اختراق مناعة الأمة وتفكيك روابطها الثقافية والحضارية، وتشويه قيمها وحرف ثوابتها. فأعداء أميركا يتقنون عقيدة القتال والموت والصمود، في حين تتفوق هي في الميدان الناعم وأدواته التكنولوجية والإتصالية والإعلامية. لذلك اختارت هذا الميدان “الناعم” لحروبها الجديدة.
ففي العام 2006، في مقال كتبه فوكوياما لمجلة نيويورك تايمز الأميركية، رأى أن الحرب العسكرية ليست الوسيلة الصحيحة للحرب على الإرهاب. وأضاف أن معركة كسب عقول وقلوب المسلمين حول العالم هي المعركة الحقيقية. فالحروب الصلبة التي شنتها الولايات المتحدة قد خلّفت الكثير من الويلات، وهناك صحوة قادمة ستغير من درجة تقبل القيادة الأمريكية في العالم الإسلامي، والقوة العسكرية لم يعد بإمكانها أن تسحق شعوباً بكاملها مهما عظمت.
أما “هنتنغتون” فقد عمد في كتابه “صراع الحضارات” إلى تبرير الهيمنة الثقافية مصوّراً مشهد الصراع القادم بعد انهيار الشيوعية، على أنه صراع خطير يتطلب من سادة الحضارة الغربية أخذ الحيطة والاستعداد للدفاع عن النموذج الحضاري الأمريكي الليبرالي. وفي نظريته يطرح فكرةً مؤداها، أن مشهد الصراع القادم لن يكون أيديولوجياً أو اقتصادياً، بقدر ما سيكون حضارياً ثقافياً، لافتاً إلى أن الصراعات السياسية الدولية المرشحة للنشوب ستحدث بين حضارات ستتنازع من أجل السيطرة على العالم، وستكون بين ثلاث حضارات رئيسية هي: الحضارة الإسلامية، الحضارة الصينية، والحضارة الغربية. وبرأيه، فإن “الحضارة الكونية” ستقوم على عاتق معتقدات وقيم يحملها العديد من الناس الذين يعيشون في كنف الحضارة الغربية، إضافة إلى بعض الذين ينتمون إلى حضارات أخرى.
وتعدّ العولمة إحدى وسائل الحرب الناعمة التي تعمل على اصطياد العقول، ودكّ الأمن الثقافي والفكري لمجتمعاتنا، وتفكيك عقائد العقل العربي والاسلامي، وتشكيكنا في هويتنا وكفاءتنا وحضارتنا، وتفريغ ثقافتنا من محتواها الحقيقي. كل ذلك من خلال منظومات براقة تهدف الى بناء العقول وصولا الى تبنّي نمط الحياة الذي يضمن استتباع مجتمعاتنا وتغريبها في ظل انهيار المصداقية الوطنية.
ولا يتوانى مستخدمو الحرب الناعمة عن استعمال أقذر الوسائل  كاغتيال وحذف شخصيات مؤثرة ، أو تسليح جماعات منشقة، أوإسقاط أنظمة باحتجاجات سلمية ومدنية، أو شراء ذمم زعامات وكتاب صحف ومدراء إذاعات ودور نشر ومحطات،الخ.
وتستغل الحرب الناعمة غفلة الخصم ووجود نقاط ضعف وثغرات لدى بعض اللاعبين المؤثرين في القضايا والأحداث في الساحة. وتجد في فساد الحكم معبراً صالحاً لها، بسبب انعدام الثقة بين الشعوب ونظمها السياسية، وبالتالي، تضحي فريسة سهلة للغزو الثقافي، الذي يتباهى بديمقراطيته في بلاد المنشأ، ويستخدم هذه الشعارات بأسلوب خادع.
لم يستطع العدو كسر المقاومة وإلغاءها عسكرياً، لذلك يحاول كسرها بالطرق “الناعمة” أي بتخريبها من داخلها لتسقط بأيديها وبأدواتها. والمقاومة ليست حزباً أو تنظيماً، هي نهج، هي خيار، هي ثقافة. والعدو يحاول أن يلغيها من وعي الجمهور وهنا تكمن هزيمتها الفعلية. ومن الأدوار المهمة التي تقوم بها الحرب الناعمة، محاولة بثّ اليأس والإحباط في قلوب شعوبنا، لنشكك بقضايانا ورموزنا ومقدساتنا، ولزرع فكرة عدم الجدوى من مواصلة الطريق، وان هذا الطريق مدمر وانتحاري، ولا عقلاني.  وهذا يؤدي، في أحسن الأحوال، إلى إحداث حالة من التردد المفضي إلى اللامبالاة والتقاعس.
تهدف الحرب الناعمة التي يشنّها علينا العدو الصهيوني وحلفاؤه في الغرب إلى تشويه مفهوم المقاومة وضرب صيغ الممانعة القائمة والدخول الى عقل الجمهور العربي وايهامه بأن الصراع قد حسمت نتائجه تاريخياً لصالح الطرف الأقوى المهيمن وبأن السلام بين إسرائيل والدول العربية آت لا محالة، وأن كل إنسان مهما كانت ثقافته أو بيئته لا يستطيع أن يعيش منفرداً، ومن يفرض على نفسه ثقافة المقاطعة هو الخاسر لا سيما إنه يعيش منعزلاً عن العالم بقرار ذاتي أو أحادي.
وهنا يدخل التطبيع ضمن مفهوم الحرب الناعمة حيث يسعى العدو من خلاله الى اختراق المناعة العربية والاسلامية، وإسباغ الشرعيّة على الكيان الغاصب المتخفي في ثوب الحمل وتصويره على أنه رمز الحداثة والحضارة. عندها، يصبح الصّراع العربي  الإسرائيلي بحكم المنتهي، وبالتّالي يصبح السّلام مع العدو أمرا تلقائيا.
إن تقديم الانفتاح والتبادل الثقافي مع الصهاينة على أنه يندرج في إطار حرية التعبير والرأي أو في إطار معرفة العدو هو أمر مجانب للحقيقة. فهذا تطبيع مقنع. إن معرفة العدو لا تتمّ بالانفتاح والتبادل بل بالتحصين الداخلي والاقتراب الواعي والحذر، دون إفساح المجال أمام العدو لكسب عقول الناس وأفئدتهم، وإبهارهم بشعارات الحرية والحداثة وحقوق الانسان.
إن مجتمعاتنا المقصودة بالغزو أمام تحديات مصيرية تتطلب رسم أطر ناجعة للممانعة، وبالتالي، الحفاظ على ما سلم من خصوصيات لم تزل قائمة في ظل حالة العجز الذي تشهده البلدان العربية والإسلامية على صعد الاستعدادات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والإعلامية. فعليها بناء رؤية متناسقة لتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، يمكّنها أن تواجه بشكل حاسم وجدي الرواية الصهيونية أو الغربية لهذا الصراع. ومن الضروري العمل على إقامة بنية اجتماعية وثقافية ومعرفية حول المقاومة من خلال تنظير معرفي ثقافي سياسي لحمايتها الاختراق والتآمر.
والممانعة ليست فقط فعلاً سلبياً يقتصر على كره الصهاينة والغرب، بل هي عمل على إصلاح الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والديني والقانوني، وإحياء الثقافة الوطنية بما يتناسب مع معطيات العصر ومتطلباته، وبناء الموروث الثقافي دون استلاب حضاري. فتكون ممانعة فاعلة تواجه أشكال الاستهداف الذي تتعرض له البلدان العربية والاسلامية من خلال الحرب الناعمة. ولا بد من الإقرار بحالة الانكشاف التي تعاني منها البلدان العربية والإسلامية على الأصعدة المختلفة. فبلداننا تستورد منتجات الغرب الصالحة والطالحة، وتستلهم منها أذواقها ورؤيتها للتغيير الاجتماعي، نتيجة تراجع مواقع الثقافة الداخلية وعجزها. فمواجهة الحرب الناعمة كنتاج عولمي أمريكي، قد تكون عملية صعبة المنال في ضوء حالة المراوحة الحالية للعقل العربي والإسلامي.
أي تطبيع مع العدو هو خيانة لقضيتنا الأساسية. كيف يمكن أن نتقارب إجتماعياً وثقافياً مع جلاد يغتصب أرضنا ومقدساتنا ويعتدي على شعبنا؟صراعنا مع إسرائيل هو صراع وجود لا صراع حدود. وبما أن فلسطين تبقى هي القضية، يبقى عدونا معلوماً، والاختلاف عليه ممنوع. وما المقاطعة  سوى الحاجز الأخير أمام محاولات العدو للتغلغل في وجدان ولاوعي الأمة.

———————————————————————————
1-    جوزف س. ناي، القوة الناعمة، ترجمة محمد توفيق البجيرمي، دار العبيكان، 2007، ص20

شاهد أيضاً

ندوة “عاشوراء نبضة الألم ونهضة الأمل” في معهد المعارف الحكمية

شارك الملتقى الثقافي الجامعي في ندوة أقامها عصر يوم الإثنين في 11 أيلول 2023 معهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *