الرئيسية / أبحاث / مقاومة بمنازل كثيرة (قراءة في رواية انعام كججي: طشّاري)

مقاومة بمنازل كثيرة (قراءة في رواية انعام كججي: طشّاري)

مؤتمر6

مقاومة بمنازل كثيرة
(قراءة في رواية انعام كججي: طشّاري)
بحث: الدكتورة الراهبة مريم فرنسيس
0.    مقدمة: تعدد أشكال المقاومة
صحيح أن المداخلة هذه تُقدّم تحت عنوان مقاومة بمنازل كثيرة، عنوان يحاكي بناء عنوان كتاب كمال الصليبي بيت بمنازل كثيرة، غير أن ما يكمن وراء هذه المحاكاة ليست معاني الإنقسام والصراع التي قصدها كمال الصليبي من عنوانه، إنما فقط التعددية؛ تعددية الأشكال والجوانب التي من المفترض أن يعكسها كل مؤتمر، أيّا كان موضوعه، وايّة كانت إهتماماته.
وما نفعله هنا في هذا اللقاء حول أدب المقاومة مثال على ذلك. كما أن ما سيُسَلّط الضوء عليه في الكلام على رواية انعام كججي طشّاري (بيروت، دار الجديد، 2013) يدخل في الإطار ذاته؛ مما يدفعنا الى التساؤل عن المنظور او الجانب او الزاوية التي يمكن من خلالها أن نعتبر طشّاري، او جانبا منها، ينطوي تحت لواء المقاومة.
فالسائد حول هذه الرواية أنها تتناول قضية تهجير المسيحيين من العراق وتشتّتهم في أقصاع المعمورة، الأمر الذي يفيده جيدا العنوان طشّاري: طشّاري يعني تفرّقوا، وتطشّروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الإتجاهات، نسمع الراوية تشرح لابنها اسكندر معنى العنوان الذي اختارته لروايتها (ص 90), كما أننا نقرأ على صفحة الغلاف الأخيرة: رواية من سُلب مسقط الرأس ومهوى القلب.
فسواء تعلّق الأمر بتهجير مسيحيي العراق حصرا، او بهدم بنية المجتمع العراقي وما أبعد منه عامة، فليس هذا الجانب من الرواية هو الأساس الذي يمكن الإستناد عليه للكلام على موضوع المقاومة، إنما أمور أخرى. أوّلها الإعلاء من شأن اللغة العربية، التعايش والتآخي بين مختلف الأديان والمذاهب، وما كُشف عمّا دعته هندة، ابنة البطلة، بـمجاهل كندا.
وهذا ما سنحاول التوقف عنده على مستويي البناء والمضمون.
1.    البناء
فالرواية مبنية على التوازي بين فضائين: فضاء التشتّت والإقصاء عن الوطن، وفضاء الترعرع في ربوع الوطن  ومسقط الرأس. ولقد عُبِّر عن هذا التوازي بتناوب السرد على هذين الفضائين، حيث يُكرّس فصل لكل منهما، وبعد أن انطلق من فضاء التشتت: تبدأ الرواية بمشهد وصول البطلة وردية اسكندر، الطبيبة العراقية ابنة الثمانين، على كرسيّ متحرك الى قصر الإيليزيه، حيث أعدّ للعراقيين المهجّرين حفل استقبال، أقرب الى الإخراج المسرحي، بحضور ساركوزي والبابا بنديكتوس السادس عشر.

2.    المضمون
انطلاقا من افتتاح الرواية بمشهد التشتّت هذا، قد يتوقع القارئ أن تتمحور الرواية حول التهجير الممنهج الذي طال شرائح معيّنة من المجتمع العراقي وأن يكون فضح هذا التهجير والكشف عن من يحرّكه ويغذّيه موضوع الرواية الأساس. وهذا ما لا نلمسه بشكل جليّ ومباشر، أتناول  السرد فضاء العراق، أو تعلّق ببلدان التشتت والتشرذم.
1.2 فضاء العراق
يمتد هذا الفضاء على مدة زمنية طويلة، قد تقارب القرن. وذلك بدءا من مرحلة الحرب العالمية الأولى حيث كانت عائلة اسكندر، والد البطلة وردية، تعيش في الموصل، مسقط رأس العائلة، مرورا بمرحلة انتقالها الى بغداد لمواكبة ابنها الأكبر سليمان في متابعة دروسه الجامعية، ومن بعده سائر أفراد العائلة، بما فيهم وردية الأبنة الصغرى التي ستصبح طبيبة، وانتهاءا باضطرار هذه الأخيرة، وقد بلغت الثمانين، أن تغادر، قصرا، العراق بعد الغزو الأميركي لهذا البلد العريق، وبعد أن تشتّت أولادها وعائلاتهم هنا وهناك في أقصاء المعمورة.
من الطبع أن السرد لا يتناول كل هذه المدة الزمنية بشكل متتابع وتفصيليّ: الأمر يتطلّب مجلّدات ومجلّدات. كما أن الحرص على إضفاء نظرة تاريخيّة على الأمور أبعد من أن يكون من إهتمامات الروائية، ولا سيما أنها بنت عملها على التشطير والتقطيع.
إنما سمح لها هذا التقطيع أن لا تولي الأهميّة ذاتها لهذه المرحلة اوتلك، فنراها تتوقف مليّا عند مرحلة ما، وتلتزم بما يشبه الصمت بالنسبة الى أخرى. فنالت حياة العراقيين ما قبل الحروب التي طالت العراق النصيب الأكبر من الإهتمام، بينما لم يلامس السرد ويلات الحروب والتهجير الممنهج الاّ ملامسة عابرة، وكأنها أمر واقع فقط.  ولقد سُلّط الضوء، في الجانب الإجابي وبدرجات متفاوتة، على أمرين: حبّ اللغة العربية من جهة، والتعايش والتآخي بين مختلف الأديان والطوائف والشرائح من جهة أخرى.
1.1.2حبّ اللغة العربية
تكاد تكون المكانة التي تحتلّها اللغة العربية في الرواية الجانب الأبرز الذي يضفي على طشّاري طابع المقاومة. فحبّ اللغة العربية وتعلّمها وإتقانها والإعلاء من شأنها أمور رافقت شخوص الرواية على مدى أجيال ثلاثة. ولقد تجلّت بأبهى صورها في شخصية سليمان، شقيق البطلة الأكبر، الذي كان مولعا باللغة العربية منذ طراوة عوده، في الموصل، وحافظ على هذا الحب ونمّاه في مرحلة الدراسة الجامعية وما بعدها، وقد درس الحقوق وتخرّج ضابطا عدليّا. كما أنه فرض هذه الأولوية على إخوته جميعا، على إختصاصاتهم العلمية، من طبّ وهندسة وفيزياء… وهم بدورهم، نقلوا هذا الحبّ والحرص الى أبنائهم الذين حافظوا ايضا على الأمانة، وحرصوا، وقد تشتّتوا في أقصاء الدنيا، على أن يتعلم أولادهم اللغة العربية، على الرغم من الصعوبات والعوائق الجمّة، التي تعترض الأهل في مثل هذه الظروف، وفي مقدمتها بعض الممانعة التلقائية التي يبديها الأطفال، نظرا الى اقتلاعهم من بيئة لغتهم الأم واضطرارهم الى أن يتأقلموا، لغويّا واجتماعيّا، مع المحيط الجديد الذي زُجّوافيه.
فلا يسعنا هنا سوى أن نجلّ بإكبار عمل انعام كججي هذا، مما يحسّنا بدورنا على ان نعي خطورة ان نتخلّى عن لغتنا باسم هذا الإختصاص او ذاك، وأن نشجّع طلابنا وأبناءنا على إتقان اللغة العربية والكتابة بها، أيّا كان تخصّصُهم العلمي او الأدبي: إننا في عصر العولمة التي تتخفّى بمظاهر برّاقة لتسلبنا هويّتنا وتفكيرنا وابداعنا، ولتجعل منّا مجرّد أسواق استهلاك.
2.1.2  التعايش والتآخي
الأمر الثاني الذي أولته الروائية اهتمامها في المسح السريع لعراق ما قبل الحروب والغزو الأميركي هو التعايش والتآخي والانصهار بين الأديان والطوائف وشرائح المجتمع.
هنا ايضا، حرصت الكاتبة أن تسلّط الضوء على هذا الموضوع مرّات متعددة، طالت بدورها ما يقارب الأجيال الثلاثة. فنرى أولا سليمان، الطالب الثانويّ في الموصل، يرفض، وهو ابن العائلة السريانية الأصيلة، أن تكون جائزته في اللغة العربية شيئا آخر غير المصحف (ص 65).
ثمّ إن الكاتبة أرادت أن تزاول بطلتُها وردية الطبّ في الديوانية، بيئة ريفيّة شيعيّة، استقبلت الطبيبة الشابة بين أحضانها، وحرصت على تلبية كل طلباتها، بما فيها تأمين مرضعة، بستانة، لإبنتها هندة. ولقد تشارك الجميع الأفراح والأتراح، بدرجة أن هندة وياسمين اللتين قذفتهما رياح التهجير، الأولى الى كندا والثانية الى دبي، حرصتا أن لا تفارقهما صورة أخيهما برّاق، الطفل المدلل، ذي الشعر الأشقر، وهو يسير في موكب عاشوراء، مرتديا دشداشة سوداء، وبيده سلسال صغير من الحديد وقد تدلّى من عنقه صليب ذهبيّ (ص186-187).
3.2 فضاء التشتّت
هذا بالنسبة الى نعيم العراق، فإذا انتقلنا الى بلدان الهجرة والتشتّت، فإنه يتّسم بشكل عام بالبكاء على الأطلال: إزاء ما يعانيه العراقيّون من أمرّين في بلدان التشتّت، نراهم يستعيدون بأسى النعيم الذي كانوا يعيشون به، ملمّحين تلميحا عابرا الى ما آلت اليه أحوال العراق، بلاد ألف ويلة وويلة، كما تقول الساردة (ص 249).
ومع هذا، لا يغيب وجه المقاومة عن هذا الجانب من الرواية؛ لا بل يأخذ أهمّية خاصة. وهو  يتجلّى، أوّل ما يتجلّى، بفضح شيء مما يدور في ما دعته هندة بـمجاهل كندا (ص 202).
1.3.2 مجاهل كندا
التسمية تعبّر عن ذاتها: فليس لإفريقيا فقط مجاهلها، بل ايضا لدول الشمال التي تفيض بالخيرات والرقيّ والتحضّر. وما أوقفتنا الروائية عليه من خلال هندة، ابنة البطلة وردية، بالنسبة الى هذه المجاهل، قد يفوق غرابة وفظاعة ما نعرفه عن مجاهل افريقيا.
ففي عمق كندا، وفي بيئة بدائية، حيث يعيش الهنود الحمر، سكان البلاد الأصليّون، وحيث لم يكن لهندة من خيار آخر لتمارس مهنتها الطبيّة، بعد أن قطعت كل الحواجز التي فرضتها السلطات الكندية، تكتشف هذه الطبيبة الشابة المكافحة أن وباء انتشار الإدمان على المخدّرات في ما دعته هندة، بألم وسخرية، بـمحميّات الهنود الحمر (ص 212) والأمراض الملازمة لهذا الإدمان، وفي مقدمتها تشميع الكبد، ليست بالأمور العابرة، او وليدة الصدفة او حتى ظروف الحرمان التي تحاصر هذه المحميّات، إنما  هي عمل ممنهج، تقوم به السلطات الكندية، مغرقة الهنود بالمخدّرات، خوفا من أن يستيقذوا يوما من سباتهم ويستردّوا ما سُلب منهم.
نعم أن نفضح الزيف في قيم التحضّر والإنسانية والديمقراطية التي يتغنّى بها الآخرون ويحاربوننا باسمها، لوجه من أوجه المقاومة: عدوّنا أخطبوط، يتلوّن بألف لون ولون، وعلينا أن نقاومه على ألف جبهة وجبهة، وبألف شكل وشكل.
وتبرز الأهمّية التي توليها الروائية لهذا الوجه  الأخير من أوجه المقاومة، ألا وهو فضح الزيف في القيم التي نُحارَب باسمها، تبرز في المكانة التي يحتلّها الكلام على مجاهل كندا في الرواية.
2.3.2 موقع الكلام على مجاهل كندا في الرواية
يأخذ الكلام على ما يدور في هذه المجاهل موقعا استثنائيا في بناء الرواية، حيث إنه يشكّل خرقا بالنسبة الى الصوت المنوط به السرد وبالنسبة الى الحدث الذي يستقطب السرد.
فقد أسندت الروائية مهام السرد الى أحد الشخوص، ابنة أخ البطلة وردية، التي قذفتها رياح التهجير الى باريس، سنوات قبل العمّة البطلة. ولم يَنتزِع منها هذا الإمتياز الاّ هندة، ابنة البطلة، وذلك من خلال رسائل طويلة أرسلتها الى والدتها لتخبرها عن معاناتها ومشاهداتها في كندا (ص 53-56، 204-205، 210–212). ثم إن هذه المشاهدات أصبحت الحدث على مدى ما يقارب الخمسين صفحة (ص 180-231) من صفحات الرواية الأخيرة واستقطبت السرد استقطابا يكاد يكون مطلقا. فقاسمت بذلك هندة والدتَها البطولة، لا بل حجبتها،ومشاهداتها،عنها في القسم الأخير من الرواية.
ويستمدّ الكشف عن مجاهل كندا أهميّته ايضا من لغة السخرية التي كثّفها السرد في هذا القسم من الرواية. ونكتفي هنا بالإشارة الى محاكاة بناء بعض التسميات، وقد مرّ معنا للتوّ تسميتا مجاهل كندا ومحميات الهنود الحمر. فأنشأت هذه المحاكاة تماثلا في المعنى بين  مجاهل كندا ومجاهل افريقيا أولا، ومن ثمّ، بين محميّات الهنود الحمر ومحميّات الحيوانات والنباتات .
فلا عجب، والحال هذه، أن يتعامل معنا الغرب وكأننا محميات: محميات فرانكوفونية، محميات انكلوفونية، محميات بترولية… لا فرق. إننا محميات ومحميات فقط: تُسلب لغتنا، تُسلب ثقافتنا، يُسلب  تفكيرنا، تُسلب خيراتنا، تُسلب هويّتنا، لنُذَوّب في كيمياءآتهم العجيبة ولنكون فقط اسواق استهلاك لمنتجاتهم.
حقّا، لقد زادتنا رواية انعام كججي طشّاري وعيا بقضيانا ورسّخت إيماننا بأننا محكومون بالعمل والكفاح والمقاومة على الف جبهة وجبهة.

شاهد أيضاً

ندوة “عاشوراء نبضة الألم ونهضة الأمل” في معهد المعارف الحكمية

شارك الملتقى الثقافي الجامعي في ندوة أقامها عصر يوم الإثنين في 11 أيلول 2023 معهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *