الرئيسية / أبحاث / جور النظام وتجهيل الرأي العام في رواية “الطلياني”

جور النظام وتجهيل الرأي العام في رواية “الطلياني”

             

 د. لميس حيدر*

ملحق مجلة المنافذ الثقافية، بيروت، دار العودة، ع 14، شتاء 2016.

التقديم:

تنقل الرواية صوت الواقع وتجسِّد صورته، ويبرز ذلك من خلال شخصياتها المتفاعلة في أمكنتها، وأزمنتها المحدّدة. وتُبْنى منطلقاتُ الرواية من خلال رؤية مبتدعها، الذي يسلّط الضوء على قضايا في المجتمع يراها أساسية، أو منطقية لديمومته، أو لنقل أنّه يسجّل ما يريد من التاريخ الإنساني الفعلي، ويهتك ما يبغي.  وهو في أثناء ذلك لا يورد أحداث النص السردي متعاقبة، ومتسلسلة،  فقد يقدّم أزمنة، أو يؤخرها. كما تنطق الرواية بما يقوله الآخرون، أو ما يخفونه في محاجرهم، ويتهيّبون ذكره، لذلك تطال مواجع الحياة، ورتابتها بغالبية وجوهها. لكن، أيعني ذلك أنّ الرواية تكرّر المواضيع نفسها، وتنقل فقط معطيات عهدناها، فترفدنا بجديد، وتسرد الآخر، ويقتصر دورها على رصف المعلومات؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يعني هذا أنّ مواطن الجدة مفقودة(1)؟ وإنْ كانت تعيد ما حصل لِمَ نقبل على قراءتها ؟ ما ورد يدفعنا إلى التساؤل إن كانت رواية ” الطلياني” انحصرت مضامينها بمعدن سرد عهدناه ، وقد اكتفت هي بتلميعه، وتقديمه بحلة أنيقة جذابة؟َ لو أتت الإجابة عن الأسئلة السابقة متنكرة لألق مضامين الرواية بشكل عام، فلِمَ تُتوَجَ على عرش من عروش الأدب السردي في العصر الحديث؟ يبدو لي من قراءة نص “الطلياني”، وسبر غوره أنّه ينقل صورة عن الوضع التونسي بتخبطاته، و انسيابيته، لذلك تجد الشخصية تسعى جادة لتحصين وجودها، وتأكيد ذاتها الفاعلة في معترك الواقعين السياسي والاجتماعي. ويعيّن نص “الطلياني” عيوب الحكم التونسي، وردود أفعال الشعب، لا سيّما المثقفين الجامعيين. ولأنّ الكتابة تعبير عن الذات، قد يكون الكشف عن الداء، كفيلاً  لابتداع الدواء. أعني أنّ ما ورد في نصّ الرواية لا يحوي الرتابة، لاكتفائه بإيراد ما مضى، بل إنّ أناقة صوغ الأحداث تتيح رؤية مستقبلية استباقية تصحّح قبح الماضي، مستهدفة الأنقى، لتعيينها مواطن عيب حكم، محتج على نهجه الشعب. يقول محمد الشيوخ:”سلسلة الثورات والاحتجاجات التي عصفت بالمنطقة العربية… لم تستهدف معالجة الأسباب أو الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الفاشلة فحسب، إنّما كانت ولا زالت تتطلّع إلى إقامة أنظمة سياسية حديثة وفاعلة تحترم حقوق الإنسان وتعزّز سيادة القانون وتحمي الحريات العامة وترسّخ قيم العدالة وتؤمن الشراكة السياسية”(2). وتلتقي مضامين هذه الرواية في بعض وجوهها، مع ما ورد في غيرها من الروايات، لذلك هي تقارب الواقع العربي، وتحاكي همومه، ومواجعه، التي تحتاج إلى دراية  في المعالجة، علّه يتم إنقاذ ما تبقى، ويُسْتعاد ما افتُقِد.

تتناول رواية “الطلياني” واقع تونس السياسي المضطرب كما ورد آنفا، وذلك في أواخر مراحل حكم بورقيبة، وبداية عهد زين العابدين بن علي. وقد تشابكت في مضامينها المشاكل السياسية مع هموم الحياة الاجتماعية. يتجلى الواقع بتعقيداته من خلال تعاطي الشخصيات مع محيطها، لذلك برز إلى صدارة الأحداث وجه رئيسي حرّك معطيات النص كلّها، وهو الطلياني، أو عبد الناصر. يشارك الطلياني الماركسي المفاهيم في التحرّكات الطالبية الجامعية المناهضة لمجريات السلطة، ولا يؤمّن له هذا الخط مردودا مادياً، لذلك كان يأخذ المال من أخيه صلاح. وعندما يعاني من الضائقة المادية بعد زواجه من زينة الثائرة على الواقع، ويُعرَض عليه العمل في صحيفة الحكومة، يوافق. وهنا يسأل القارئ متفاجئاً كيف يمكن لماركسي يعارض النظام، أن يبيت الناطق بلسانه، والمدافع عنه؟ وما هي ردة فعل زينة العاشقة للطلياني إثر تعديله قراراته، وهي المناضلة، الثائرة ضد المهيمنين؟ وهل الطلياني كالغالبية غيره من الذين يؤثرون المصلحة على القناعة، أم أنّه خشي جور الحكّام؟ وهل هو واحد من كثيرين اكتشف استحالة تطبيق الفكر الماركسي في العالم العربي، فتوجّه نحو موقع فكري مناقض؟

سنجيب عن هذه الأسئلة من خلال معاينتنا لتماهي الشخصيات مع واقعها، فنعي أسباب اضطرابهم السياسي أو العاطفي غالباً. كما سندرك أساليب قراءتهم مجريات الأحداث، وسبل بحثهم عن الخلاص، أو كيفية تفتيشهم عن طرائق جديدة تخلي سبيلهم من ويلاتهم.  سنبحث في موضوع دفاعهم عن أناهم ، تلك التي لا ترضى أن تبقى محاصرة بقيود أهلكتها، أو ما عادت تجدي نفعا. كما سنقرأ كيفية تهرب الشخصيات من مأزق، ومن ثمّ حلولهم في هم جديد. سنغوص في أثناء التحليل في عتمة الذات الخائبة بعد سعيها الدؤوب، وسندرك الضغوط التي تمارس فعلها السلبي على  الأفراد، والتي تستمر مفاعيلها مع مرور السنوات، و سنشير إلى دلالة أفعال الطلياني في النص السردي،، كذلك سواه من شخصيات الرواية. ومن خلال التحليل المركّز على ما أوردناه سندرك حجم المعاناة الإنسانية في رواية “الطلياني” هذه، كما سنجري مقارنات بين مضمون هذه الرواية، ومضمون غيرها من الأعمال الروائية لروائيين آخرين متزامنة أعمالهم مع عمل المبخوت هذا .

ولأنّ دور الراوي في السرد أن يكشف عن الأحداث، ويحاول أن يغطيها، وهدفه نهوض أحداث النص، سنكشف الصفة التي التزم بها في أثناء نقل الوقائع. وسنعرف إن كان الرجل والمرأة متعادلين في النضج، أو متفاوتين، وإن كانا  تقليديَيْن، أو استثنائيَيْن، إن كانا خانعَيْن، أو متمرّدَيْن، وذلك من خلال دراسة العناوين الأربعة الآتية:

1_ المنظور الروائي، الراوي موقعه وعلاقاته.

2_الطلياني اليساري المزدوج والمنهزم.

3_زينة المتفوّقة والمتمرّدة.

4_حضور المرأة.

ستتيح هذه العناوين قراءة نضج النص، وتبيان مسار الشخصية الموحّد الاتجاه، أوالمتقلّب، أو المعدّل. وسأعتمد في أثناء تحليل مضامين الرواية، وتبيان مزاياها على منهج البنيوية السردية.

 

1_المنظور الروائي، الراوي، موقعه وعلاقاته:

يشارك الراوي في القص(3)، مستخدماً صفة الراوي، الّذي يعلم بقدر ما تعلم الشخصية، أي الراوي= الشخصية (رؤية مع) (Vision avec)، حسب تقسيم بويون.

يستخدم الراوي ضمير المتكلّم المفرد عندما يتحدّث عن نفسه فقط. يقول: “كنت منذ سمعت النبأ إلى جانب عبد الناصر الذي لم أفارقه”(ص6). “كنت أترك”(ص40). ، وقد يستخدم (نا) الجماعة، حين يضم إليه آخرين. يقول: “منذ نشأتنا”(ص296). “فنحن فعلا”(ص333). واستخدام هاذين الضميرين يرد بوفرة، وكل هذا كي يخدم السرد، الذي اختط  لنفسه وجهة، غايتها بناء قص تتضّح من خلاله شخصية الطلياني، بطل الرواية، وليس الهدف منه إبراز دور الراوي، الذي لا يحضر إلا حينما تدعو الحاجة لذلك، أقصد أنّه يظهر بقدر يبرّر للقارىء أسباب معرفته بما يدور في حياة الشخصية البطلة، وما يحيطها. ويمكن أن يتبدى ما ذكرناه جلياً من خلال ما سيرد.

يتحدّث الراوي عن عادات تجمعه مع عائلات عبد الناصر، فهما من نفس الحي. يقول: “وللطفل في عائلاتنا مكانة ملتبسة لا تخلو من مفارقة… فهو من ناحية مهمل عادة متروك لحاله… ومن ناحية ثانية محلّ عناية الجميع”(ص25).ويتكرر الحديث عن موضوع تواجدهما في حي واحد. يقول: “فنحن من حي واحد تجمعنا الألعاب في الحي والمدرسة”(ص40). ويقول في موضع آخر: ” فنحن فعلا أبناء حي واحد”(ص333). ويقول: “منذ نشأتنا في الحي”(ص296). هذا التواتر التكراري النمطي (4) ليس محايداً، إنّما هدفه الإضاءة على تلك العلاقة الودية والمتينة والصادقة والبريئة، الخالية من الأحقاد والمصالح بين الراوي وعبد الناصر. كما يريد الراوي من استخدامه التواتر التكراري النمطي التأكيد على فكرة مفادها أنّ كل ما سيورده عن الطلياني الصديق هو صحيح ويقيني، ولا يمكن الشك في معطياته إطلاقا.

وإذا عرفنا أنّ علاقة عبد الناصر بالراوي استمرت مع مرور الأيّام، وظل الشخص المحبّب إلى قلبه، والأقرب إلى عقله، أمكننا أن نعي أسباب نفاذ الراوي إلى أعمق تفاصيل عيش صديقه. يقول: “ويربطنا، بوثاق صداقة خالصة، تبادل الأسرار واستكشاف الحياة… فقد جعلني حافظ أسراره. كان يحدّثني عن كلّ شيء تقريباً، يبث إليّ هواجسه”(ص40).

ويسوّغ الراوي أسباب غيابه في السرد، وترك المجال لبروز عبد الناصر. يقول: “أعترف أنّني كنت أترك لعبد الناصر المبادرة في كلّ شيء لطبع فيّ ميال إلى الملاحظة والصمت والمشاركة في المحادثات بمقدار”(ص40). يحاول الراوي إقناع المتلقي بما سيرد من أحداث همها الأول والأخير نقل أعمق جزئيات عيش الطلياني.

ولا يتحدّث الراوي كثيرا عن نفسه، أي أنّه لا يأتي على ذكر حياته الخاصة إلا عندما يريد خدمة السرد، المركِّز على الشخصية البطلة. يتحدّث عن إساءة الطلياني لزينة، حين تعرّف إلى نجلاء، ويُبدي أنّ زينة إنسانة محترمة كان يتمناها له: “لا أخفي عليكم… الاستلطاف بين الطلياني ونجلاء… ولم أكن أحكم على المسألة من الناحية الأخلاقية، رغم نزعتي الأخلاقية المتأصلة …نار صديقتي الفيلسوفة (المقصود زينة) اللامعة التي كانت ستكون من نصيبي لولا جبني في مواجهة عائلتي”(ص181). قد يبرر جبنه الملازم له، أسباب انحيازه للصمت. ويبرهن اتصافه بالأخلاق أسباب عدم انجراره في طريق الانحراف، الذي سلكه صديقه عبد الناصر، الخائن لزينة مراراً في أثناء زواجهما.

ويعرف الراوي ما تفكّر به الشخصية، وما تشعر به من ألم وغضب. يقول عن عبد الناصر: “أطرق كاظماً غيظه. هدأ أعصابه التي بدأت تتشنّج. ظلّ ينصت إليها وذهنه شارد يحوم حول الموقد في بيت صلاح الدين”(142). يغادر الراوي أحاسيسه في النص، ويغوص في عالم البطل، متناولاً حيثيات قد تغرق المتلقي في أحبولة الضياع، فتهتز قناعته بما يرد من معلومات في النص، فيتساءل مثلا: أنّى للراوي أن يعرف أنّ ذهن عبد الناصر يحوم حول الموقد في بيت صلاح الدين؟ غير أنّ مشكلة السؤال هذه سرعان ما تتوارى خلف انتصار علاقته الوطيدة بعبد الناصر، الذي يعبّر دائما عما يعتريه من مشاعر، وهموم في مسيرة عيشه. هكذا ينفي الراوي عن نفسه صورة المتطفل، غير المبرِّر معرفته، وهو الذي لم يتوان عن إظهار حياديته في نقل تفاصيل حياة عبد الناصر، ولم يغادر تلك الحيادية إلا فيما ندر. أعني لقد تخفى الراوي غالبا في السرد لمصلحة حضور الشخصيات المشاركة، فقدّمها بشكل موضوعي، وتجاوز الخوض في أيّ مشاعر تحيد بالنص عن منطقيته، إذ حاول دائما أن يكون ما يدور في حياة الطلياني أساس السرد.

وعن خوض الراوي في تفاصيل تتناول أدقّ المشاعرالخاصة بالشخصيات، وأعمقها. يقول: “يجعلها تشعر … إيجاعاً وإمتاعاً… كأنّ إبراً غليظة تنخرها من الداخل وتحرِّكها”(ص162). إنّ ما ورد قد يدفع المتلقي عند القراءة الأولى إلى التساؤل عن مدى صحتها الإقناعية، لما تتضمنه من معلومات تتناول أحاسيس عميقة، وخاصة بصاحبها، تلك التي لا يستعد القارئ لقبولها من قبل الراوي. غير أنّ استعانة الراوي بعبارة “فسّرت لي زينة”(ص163) يجعل السرد إيهامياً، بعدما برّر الراوي معرفته.

وكما يقدّم حياة الشخصية من الداخل، فإنّه يصفها من الخارج. يقول عن زينة: “ممشوقة كالرمح…لم تكن تستعمل المساحيق إلا نادراً. تلبس “الدجينز”…تخطب في الساحة الكبرى…بكلية الحقوق…تتهم اليسار بغياب العمق الفكري”(ص49 و50 و55). يتيح هذا الوصف الخارجي للقارىء فهم أسباب إعجاب عبدالناصر بزينة، وغرامه الشديد بها، كما يقدّم فكرة عن طبيعة زينة المميزة خَلقيا، وذهنيا.

ويقدّم أوضاع الشخصية الاجتماعية. يقول عن زينة: “اسمها الحقيقي “أنروز” من إحدى القرى البربرية بالشمال الغربي. ولم يكن يعرف اسمها الأمازيغيّ إلا الأصفياء الخلّص مثلي أنا وعبد الناصر. فقد فرض بورقيبة على البربر أن يسجّلوا أبناءهم في البلديات بأسماء عربية فظلّت حبيسة التداول… تعرّضهم إلى المساءلة والعقاب”. (ص49) نعي من خلال ما ورد الواقع الاجتماعي الخاص بالشخصية، والمتأثر بالواقع السياسي. هو واقع يشكّل عبئا على زينة وأهلها وأمثالهم، أولئك الذين لا يمكنهم التصريح عن اسمهم الحقيقي، أو هويتهم الفعلية.

ويقوّم الراوي كلام الشخصية، كذلك طريقة تصرفها، ويحلّل طريقة تعاطيها مع الآخر. تتحاور زينة مع الطلياني، ويتناولان موضوع تعدّد الزوجات. يقول عن زينة: “بدأ حفل التفلسف… قلّبت الأمور على وجهها”(ص142). و يقول عن زواج زينة من إريك: “هكذا هم الرجال الذين يتزوجون، حين يبدأون في فقدان بريقهم وفحولتهم، فتيات لهن نصف سنهم وأحيانا ثلثه. يعتقدون أنّ المرأة تعيد لهم شبابهم وهي في حقيقة الأمر تصنع منهم دمى مضحكة تنبطح أمام صانعها وتنصاع له انصياع المؤمن الفقير إلى ربّه” (ص290). يوضح هذان المثلان أنّ الراوي كان مراقباً، فهو ينتقد زينة في المثالين، ويقوّم تصرفها، فتتجلى أديولوجيته الساخرة من رجال يبيتون دمى لنسائهم. يقدّم الراوي رؤيته الخاصة إلى المتلقي، الّذي قد يكون هو نفسه فكّر فيها، أو استنتجها، أو آمن بصحتها، غير أنّ الراوي صمّم تعويل أهمية عليها، كما قرّر لفت النظر إليها، بعدما أثارت انتقاده. ولأنّ ما يورده قد يتوافق مع رؤية المتلقي، يغدو النص أكثر إيهاماً بصحة أحداثه.

كما يقدّم رؤيته حيال موضوع طلاق زينة من عبد الناصر، فيبدو متعاطفا مع صديقه. يقول: “ورغم مرور أكثر من سنة ونصف على طلاقه من زينة فقد ظل يتحدّث عنها بمزيج من السخرية والمرارة… كنت، وأنا أصغي إليه، اترسّم نقمة وسخطاً ورغبة في الثأر”(ص300). ثمّ يبدي رأيه السيكولوجي الذاتي متسائلا، ويستنتج، ويفسّر مستخدماً ألفاظ التخمين “ربّما”، و”تقديري”، و”أتصوّر”. يقول: “كيف لها أن تتركه وهومن هو؟ لقد جرحته في كبريائه جرحا غائراً حين طرحته جانبا بظاهر يدها. وربّما هذا ما يفسّر مسارعته إلى لملمة حطام نفسه المعذّبة ما إن التقى ريم… وتقديري الشخصي أنّ الطلياني قد أضاع الجهات الستّ، بعد طلاقه زينة… أتصوّر أنّ بيت صلاح الدين أصبح مبغىً وحانة…”(ص300).  يأتي هذا التخمين والاستنتاج والتفسير مقنعا ، ومسوّغا، يندرج وبطواعية مع سياق القص. وهذا طبعا يتنافى مع ما ورد سابقا في أثناء تقديمه أين صار الطلياني في تفكيره عندما كان يتناقش مع زينة، إذ كان حينها يحتاج المتلقي إلى مزيد من الجهد، وكثير من التدقيق والوعي كي يتلقف المعلومة، التي يكاد يرتاح أكثر إلى موضع نكران معرفة الراوي لها، منه إلى إثباتها، والإيمان بجدارتها الإيهامية المتكاملة. لا يقتنع المتلقي كلياً بما ورد في السرد، إلا بعد روية في تلقف المعلومة، ومثل هذا لا يحصل حينما يلجأ إلى المستوى السيكولوجي الذاتي ليبرّر أحياناً عدم تأكّده من المعلومة التي يوردها عن عبد الناصر، أو زينة. يقول: “لا أعرف متى بدأ الجميع في العائلة الموسّعة وفي الحي ينادون عبد الناصر بالطلياني”(ص24). ويقول: “والمرجّح عندي أنّ زينة…”(ص62). ويتحدّث عن علاقة زينة بإريك. يقول: “وأكبر ظني، بحسب خبرتي القليلة بالنساء”(ص289). ولا يجزم أسباب ترك عمل عبد الناصر في أ.ف.ب. يقول: “فليس لي يقين…”(ص295).وعندما يتذكر عبد الناصر هموم ماضيه أمامه، يقول: “لم أعد اعرف وأنا أفكّر، كعادتي دون أن أفصح… كنت أفكّر في ضرورة… خلت أنّه… لا أخفي عليكم أنني كنت أفكّر…”(ص322 و323). يفيد استخدام المستوى السيكولوجي الذاتي الخاص بالراوي أنّ معرفته بمقدار محدد، وغير تامة. تدعم اللايقينية هنا السرد، فهو لا يمكنه معرفة ما لا يتيح له موقعه إدراكه، لذلك لا يلم بكلّ الحيثيات.

ويقوّم الراوي الواقع، ويستنتج، ويفسّر مستفيدا من علاقته الوطيدة بالطلياني. فعبد الناصر وصل إلى تلك المكانة العالية في عالم الصحافة نتيجة إمكانياته المعرفية، وإتقانه عمله، نافيا عنه شائعة مثليته، والعلاقة السرية التي تجمعه بسي عبد الحميد، الذي ساعده كي يرتقي أرفع المراتب. يقول: “لم يفهموا العلاقة بين الرئيس المدير العام وهذا المصحح الذي أصبح، بين ليلة وضحاها، صحفيا لامعا. فألطف هذه التقوّلات…تزعم أنّ لسي عبد الحميد ميولا مثلية. ولكن مثل هذا الكلام لا يأبه له العاقل عموماً ولا يمكنني أن أقبله بتاتاً، لأنّ عبد الناصر لم يكن، خبراً وعياناً منذ نشأتنا في الحيّ، شاذاً بأيّ شكل من الأشكال لا فاعلاً ولا مفعولا به”(ص296). إنّ ما اعتمده الراوي في أثناء تقديمه الأحداث، خدم السرد، وأوحى بحقيقته. لقد تجلّى الراوي متمكّنا، لم يخطئ في اتخاذ صفة تغاير قدرته المعرفية، أو لا تناسب موقعه الحكائي(5).

 

2_الطلياني اليساري المزدوج والمنهزم:

يفتتح الراوي السرد في الرواية، متحدّثا عن الطلياني، الذي يضرب الإمام علالة في أثناء دفن والده محمود، وفي حفرة القبر، حين كان الإمام يتسلم الجثة استعداداً للحدها. ينقل الراوي آراء محيطي الطلياني المتعدّدة حيال تصرّفه، وقد اختلطت أصوات بعضهم، وقد “بدا عبد الناصر متوتراً” حينها، وسوف نذكر من الآراء: 1_”الإمام غارق في دمائه”.2_”لقد جنّ ابن الحاج محمود”. 3_” أخته الكبرى “جويدة”… بادرت إلى اتهام الكتب الفاسدة… كتب تدعو إلى الكفر”. 4_”أمه، الحاجة زينب… اتهمت  خلطة السوء من الصعاليك الذين يدرسون معه”. 5_” أخته الصغرى “يسر”… فقد كانت… تفهمه بعد خيبته في زواجه”(ص 7و8). يستخدم الراوي عبارة “بدا” التي تضيء السرد، تلك التي تنحو به منحى سيكولوجيا ذاتياً، لتشير إلى عمق الأسى الذي يهتك بأعصاب عبد الناصر. ثمّ يتابع الراوي السرد، ناقلا أيديولوجيا الناس العديدة، والمتفاوتة حيال نظرتهم إلى الموضوع نفسه. فقد تبدى الطلياني لأوّلهم مجنوناً، ولثانيهم كافراً، ولثالثهم ورابعهم سيء الخلق، ولخامسهم متأزما نتيجة خيبته في زواجه. هكذا يتفق المتلقي مع الآراء الأربعة الأولى، لتجاوز عبد الناصر حدود الدين والأخلاق. ويُبقي الرأي الخامس المجال مفتوحا للتعاطف مع عبد الناصر المتأزّم نفسيا. غير أنّ القارئ يظل يرجّح فكرة مفادها أنّ بطل الرواية يصيبه المس والاختلال، وهو الماركسي، الذي له من العمر ثلاثون عاماً. ولا تنكشف الحقائق أمامه إلا بعد قراءته صفحات السرد المتتالية، تلك التي تكشف طبيعة الشاب المغايرة لسواه في المنزل، والذي يملك صفات قد يلتقي في بعض وجوهها مع غيره خارج أسرته، من بينها اعتناقه الماركسية. ويبقى السؤال الهام والكبير المؤرّق للمتلقي، والذي يبحث  عن إجابة له، هو معرفة أسباب ضرب الطلياني للإمام، ذلك التصرف القبيح لا تنجلي حقيقته الكلية، إلا في نهاية الرواية.

ويعلن الطلياني عن ازدواجيته لصلاح أخيه، ويقول: “لأنّني اعتدت منذ صغري على أن تكون لي حياة مزدوجة ظاهرها يراه الناس وأنغمس فيها كلياً ببذاءتها… أعرف أنّها لا تعجب… الكذابين… ما انقذني من الانهيار هو شخص آخر بداخلي… شخص من عقل خالص… لولاه لوصلت إلى الانحراف”(ص20).  يتبدى من خلال هذا المنظور السيكولوجي أنّ عبد الناصر يعي ازدواجيته، ويسوّغ موضوعيتها العاقلة، إذ إنّها تغادر زيف الناس، لتتواصل مع صدقه. ولا شك في أنّ هذا الكلام هو تمهيد لما سيطرح فيما بعد من أحداث، ستجلو أسباب نعته الناس بالكذب، والرياء، ونزع هذه الصفة عنه، وذلك عندما نعرف دوافع ضربه الإمام علالة.

وتتناقض صفات الطلياني الخُلُقية والخَلْقية مع والده الحاج محمود. لقد التهم الطلياني صاحب “الشعر الأشعث واللحية المعفاة”(ص5)(6)، الكتب الحمراء، واكتسب مفاهيم ماركسية، صار يناقش من خلالها أخيه صلاح رجل الاقتصاد(ص15). تلك المفاهيم كان محيطوه يتخّذون منها موقفين متعارضين، فقد كان والده ووالدته ينهرانه (ص17)، وقمعهما كان يثير سخطه، وعدائيته. أمّا أخوه صلاح فكان يتفهمه، ويدافع عن قدراته التحليلية أمامهما. إنّ تعاطف الأخ، وغضب الوالدين نابعان من إدراك سيكولوجي ذاتي(7)، مستمد بدوره من رؤية سيكولوجية موضوعية.

يغار عبد الناصر من أخيه صلاح لحصوله على غرفة مستقلة، وعندما يسافر أخوه إلى سويسرا(ص22 و23) يسكنها هو، وهذا يشعره بالارتقاء، فقد حصّل أخيراً لذة تمناها طويلا(8). ومع انتقال عبد الناصر إلى غرفة مستقلة، تنتقل للاجنينة، ابنة الإمام الشاذلي، التي كانت تتردد إلى بيتهم، وتعاملها أمّه كأنّها واحدة من بناتها، في علاقتها مع عبد الناصر. فللاجنينة كانت تلاعبه، وتطوّر لعب دور الطبيب والمريض بينهما. فقد “صار الطبيب يكشف صدر للاجنينة… ذهبت للاجنينة في طبّها أشواطا أخرى وجاست مناطق لم تخطر له على بال”(ص39). يستخدم الراوي المنظور السيكولوجي الموضوعي(9)، ليبدي المراحل الأولى لتحوّل عبد الناصر من البراءة إلى المكر. لقد أغوت حواء آدم، وأسقطته من عليائه إلى الأرض، وللاجنينة أوقعت عبد الناصر في شراكها(10)، وجعلته فريستها الوحيدة، بعدما استقل في غرفته بعيدا “عن نساء البيت الشرسات”(ص40). وعندما تنبهه أخ[ته يسر إلى سوء عاقبة عمله هذا، وغضب من حوله، يبتعد عنها، غير أنّ رغباته تستمر في التدافع نحوها، فتشتعل نار الغيرة في قلبه نتيجة إقامتها علاقات مع رجال غيره(ص340 و342 ).

ونعود إلى الغرفة المستقلة، حيث يقيم عبدالناصر علاقة مع للاجنينة، تلك التي عرفها أخوه صلاح الدين قبله سراً، فتركها “وحيدة مدمّرة”، بعد أن فض “ختمها”(ص20). ويعرف الحاج محمود بموضوع علاقة الطلياني عبد الناصر بللاجنينة، فينبّهه إلى ضرورة الحفاظ على بنات الخلق واليتيمات(11)، غير أنّ الطلياني كذّب أمر علاقتهما. ويقول الطلياني للراوي أنّه أنكر علاقته بللاجنينة أمام والدها: “كرّرت الحكاية واتهمت ابنته بالكذب والفساد الأخلاقي. أعلمته بأنّ الماء يجري تحت رجليه في غفلة منه… وبعدها علمت أنّه مات. لعلّه مات كمداً… ربّما كنت سبباً في تزويجها من الدرويش. ولكنّني لا أريد أن أدفع فاتورة مبغى الحاج الشاذلي الكل دخل إليه مجاناً مرات ومرات”(ص22). لا يريد الطلياني أن يدفع وحده فاتورة أخطاء ارتكبها معه سواه. لم يشأ الخضوع لوالده المؤمن، الّذي يدعوه إلى عدم هتك حرمة البيوت، لا سيما اليتيمات(12) منهن، عملا بما ورد في القرآن الكريم، الذي لا يعترف أساسا الطلياني بمضامينه. قال تعالى: “فأما اليتيم فلا تقهر”(13). ثمّ إنّ الزواج “عفّة ووقاية، وقد قال (ص): “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج..”(14). وأيديولوجيا الستر على المرأة سمة سعى الشرق لتخليدها، وعدم الخروج عن أسسها الصحيحة. هي أيديولوجيا مترسّخة، ولا يمكن الإطاحة بها، و هي تعطي صورة عن المجتمع العربي المحافظ، الذي لا يرضى إهانة الأنثى وأهلها. إنّها مفاهيم دينية ، واجتماعية، ممعنة في دعم المبادئ من جذورها، لأنّها أسس خيّرة وإيجابية.

ويقرّر عبد الناصرأنّ تهربه من واجب الزواج الذي دعاه والده إليه يعود إلى صلابته. يقول: “ما أنقذني من الانهيار هو شخص آخر بداخلي. ليس ضميرا…شخص من عقل خالص، بارد، لا مشاعر له… قاطع كالسيف … لولاه لوصلت إلى الإجرام”(ص20). يقدّم عبد الناصر وضعه النفسي من خلال المنظور السيكولوجي الذاتي، معترفا مجددا بازدواجيته. فالشخص الثاني العاقل المتخلي عن ضميره هو من أنقذه. لا يريد عبد الناصر أن يزج نفسه في مكان لا يحمد عقباه، وهو الذي يعرف علاقات للاجنينة مع الرجال. إنّ للاجنينة لم تكترث لأصولها الدينية المحافظة، كما لم تعبأ بتقاليد مجتمعها، ولم تحترم ذاتها. وإذا كانت هي رضيت لنفسها ذلك، فهل سيقبل عبد الناصر أن يعيش زوجاً مخدوعا لامرأة اعتادت إقامة علاقات جسدية مع كثيرين، والتي يمكن ألا تتورع عن اقتراف ذلك الجرم حتى بعد الزواج؟! يوضّح استخدام المنظور السيكولوجي الذاتي أن عبد الناصر كان يريد ألا تشوب حياته الزوجية العيوب، وألا تعكّرها الأدران، لذلك يرى أنّ خروجه من موضوع الزواج هذا يزيح عنه عبء الغباء، ويقرن أفعاله بالذكاء. ويحملنا نكران الحقائق من قبل الطلياني إلى فهم أسلوب العربي المزدوج، الذي يعلن خلاف ما يضمره، فيستر حقائقه الوضيعة، ويتركها لصيقة بسواه(ص21)، الذي سيعاني وحده الذل والمهانة،  فيما هو لا يلحقه من ذلك الذنب إلا النذر اليسير. يقول: “كانت يتيمة وكانت تربيتي المحافظة تعتبر ما فعلته عيبا كبيراً”(ص21). نلحظ هنا أن أيديولوجيا النفاق سبيل يعتمده عبد الناصر ليخلي نفسه من موقع المسؤولية. والرواية هنا قدّمت الواقع بزيفه، ولم تزيّن الحقائق بما لا تحتويه أفلاكها. تلامس مضامين النص هنا مسالك عقل الشاب العربي المحتال، كما تنقل أوتار هزئه من الآخر، فيبيت المتلقي متلهفا لمعايشة تطوّر الأحداث. ونقرأ عن مثل هذا التخلي عن الفتاة المغرَّر بها من قبل شاب، وتركها تعاني مصيرها السيئ وحدها في رواية “حدائق الرئيس” لمحسن الرملي، فزكية تُقْتَل من قبل المختار، والشيخ طاهر بعد أن تنجب من جلال ابن المختار، الذي لا يرضى الزواج منها، لذلك أوقفها الشيخ ظاهر “في منتصف الحفرة وتناول من تحت إبطه قطعة قماش بيضاء… كانت كفن. ألبسه في رأسها فبدت كشبح واقف في وسط الحفرة… يبدأ بلف حبل على جسدها… ارتعبت… يقول لها: هذا… من أجل روحك… ويشرعان برجما وهي تصيح… يطلقان النار عليها”(15). تبرز الروايتان فظاعة المصير الذي تتلقاه المسلمة عندما تخطىء، في حين يخرج الرجل من الموضوع غالبا من غير أن يدفع الثمن الباهظ الذي تدفعه المرأة.

لقد كان الطلياني في رواية “الطلياني”، وجلال في رواية “حدائق الرئيس” من السيئين، الذين تسيطر عليهم شهوتهم، فلا يميزون بين الخير والشر. ويمكن أن يتجلى سوء خلق الطلياني من خلال علاقاته الكثيرة، التي يبنيها خارج إطار الزواج، بعدما ارتبط بزينة، لذلك قد يصح أن يطلق عليه صفة الشقي. ف”الشقي يحرّك قوته في خط الكفر… الشقي يحرّك قوّته في خط غريزته وشهوته وعصبيته… اندفع إلى استخدامها في ظلم الضعفاء بحيث يتحوّل إلى سباع ضارية تفترس كل القيم والعهود والمواثيق”(16).

لكن،هل الماركسية تتيح له مجال تعدد العلاقات مع النساء، ومنع ذلك عن المرأة؟ وهل عبد الناصر من الرجال العرب، الذين يتزيون بزي التقليد للغرب، ولا يمكنهم في نفس الوقت الخروج من ثوب العربي، الذي يتطلّب من المرأة الاحتشام الخلقي؟

تسقط نجلاء من عين الطلياني عندما تقيم علاقات مع غيره بعد أن كان يريد الزواج منها، وقد كانت زينة ما زالت زوجته، ويقيم معها. هكذا يكون الطلياني للمرة الثانية يرفض امرأة تعدّد علاقاتها مع الرجال، وهو الذي لم يرض أن تفكّر زينة بسواه حين كانا زوجين، حتى بعد أن عرفت أمر خيانته لها.  كأنّ النص هنا يحوي سخرية مخبوءة من فكر يدّعي أنّه حضاري، وهو يخفي في طياته كلّ تخلف وجهل وارتداد. لعلّ النص أراد التركيز على أديولوجية بعض الرجال العرب، المرهقة باختلال التوازن. فدعوة عبد الناصر لخروج المجتمع من التخلف، ومساواة المرأة مع الرجل كان مشروطاً براحته، ولذاته بمعزل عن مشاعرها، ومتطلباتها. وهذا طبعا يتنافى مع ما أورده معاذ عابد، إذ يقول: “إنّ الفكر التقدمي الماركسي اللينيني أكثر المناهج الفكرية بُعْداً عن مناهج الإباحية… بل إنّ الماركسية اللينينية هي أكثر الأفكار التقدّمية احتراماً لإنسانية المرأة والرجل على السواء، فبرفض الهيمنة الذكورية التي تحوّل المرأة إلى سلعة وتابع للرجل تؤكّد على إنسانية الرجل وعدم جعله مجرد حيوان تسوقه غرائزه”(17).

وأحسب أنّ الطلياني لم يبق زينة زوجة له، لولا إخلاصها، وهي التي كشفت خيانته، غير أنّها لم تبادله الإساءة، واكتفت بتحذيره من نقل مرض إليها. كأنّ النص يريد انتقاد رجعية المتمسكين بالفكر الماركسي في العالم العربي، أو على الأقل يريد أن يبدي حدود تطبيقهم لمبادئه.

فأن يستغل عبد الناصر المرأة لمصلحة معايير اختطها لنفسه، يضعنا في جلسة تماس تام مع معاييره الظالمة والقاتمة المحتضنة لأيديولوجيا النفاق، حيث احتضار وعي المثقف العربي، مهما بلغ نضجه الثقافي، وأياً كان انتماؤه السياسي. يحطّ ما ورد من قيمة العربي، المتمرس ارتداء قناع  الزيف. وعن رياء الرجل العربي، ومكر علاقته بالمرأة سواء أكان ماركسيا، أم لا، يتحدّث جبور الدويهي في روايته “شريد المنازل” عن نظام الذي يقيم مع يسرى، تلك التي تتهمه بأنّه يخونها، غير أنّه ينكر، فإذا بها تصمت أمام إصراره على النفي”(18). تعود يسرى إلى مسكن يجمعهما مع نظام من منتصف الطريق، بعد أن غادرته متوجهة إلى جامعتها، وتكتشف أنّ نظام مع فتاة غيرها، فتقول له إنّه “خائن… وأنّ الرجال جميعهم من طينة واحدة”(19).  لا يتوافق ما ورد عن الطلياني، ونظام في الروايتين الآنفتي الذكر مع ما ورد في بعض الروايات عن إخلاص بعض الرجال، وباعترافهم. ففي رواية محمد الأشعري “القوس والفراشة”، يقدّم السرد علاقة بين الجنسين تستمر لأمد زمني طويل. ورد: “بعد أن قضيت زهاء ربع قرن مع امرأة واحدة، تعرّفت عليها صباح يوم شتائي… وتزوجتها في مساء اليوم نفسه… ثمّ اكتشقت غداة هذا الزواج أنّني في توافق تام مع بهية. كأنّنا كائنان متطابقان، أو آلتان تشتغلان بنفس البرنامج. حيث نحبّ بنفس المقدار… الكتب… ونعيش من الناحية الجنسية تماثلا في الرغبة والإنجاز… وقد فاجأني… إدراكي… بأنّني وخلاف ما توقعت، لن أحبّها أبداً”(20). تتناقض صفات رجلي روايتي “الطلياني”، و “شريد المنازل” الخائبين، مع مواصفات رجل رواية “القوس والفراشة” الوفي، وإذا كان الطلياني يحبّ زينة، غير أنّه يعدّد علاقاته مع النساء، ولا ينسجم معها في نواح كثيرة، خصوصاً في مسألتي مصروف المنزل، وقضاء جل وقتها بين الكتب، غير أنّ الزواج بين طرفي رواية “القوس والفراشة” قد تمّ من غير عشق، ومن دون معرفة مسبقة، ومع ذلك فقد انسجما في كلّ شيء، في حين أنّ الزوج لم يستطع أن يحب زوجه. يبدي ما ورد اختلاف العلاقات بين الأزواج، ومدى نجاحها أو إخفاقها. كما يعطي فكرة عن أسباب الخلل بين الطرفين، الأمر الذي يوهم بواقعية المسرود.

أمّا كيف تعرّف عبد الناصر إلى زينة، وكيف تطوّرت علاقتهما، وما هي نتائج تلك العلاقة، وما هي الأوضاع المحيطة بتلك العلاقة، فسنجيب عن كل تلك التساؤلات من خلال ما يأتي:

يدخل عبد الناصر التنظيم السري(21)، والتنظيم يبلّغه أنّ عليه تصفية زينة(ص43) المحرّضة في خطاباتها ضد الماركسيين، وهذا كان يدفع الماركسيين لنعتها بالعاهرة(ص50). وقد تعرّف عبد الناصر إلى زينة في سنته الجامعية الأخيرة(ص49). يتحدّث الطلياني مع شاعر بعثي عن التهجّم على زينة، يقول الراوي: نبّهه إلى أنّ المرأة في مجتمعاتنا العربية تهاجم في الجانب الأخلاقي السّلوكي حين تقف في الفضاء العام ومنه الساحة الطلابية لإضعاف موقعها فيه وثنيها عن المشاركة النضالية… حدّثه عن… كفاح المرأة ومساواتها مع الرجل (ص51). إنّ ما ورد يحملنا إلى أيديولوجيا الطغيان، التي تمارس حقدها على صنف النساء، وتحتقر وعيهن، وتحضّ على رفضهن، وتنال من وجودهن. وهنا نعي أنّ الحداثة العربية الممارسة من قبل بعض الماركسيين العرب ليست ناضجة، وغير صحيحة الأسس، ولنقل أنّها واهمة، وغير متلمسة للسبل التنويرية. إنّه فكر يدّعي التقدّم، غير أنّه لا يحتاج إلا للحضارة، كي يمارس مدنيته الفاعلة. هو تعنيف للمرأة كي تستبدل مواقفها الصلبة، بأخرى تبدو من خلالها مذلولة، ومنصاعة لأوامر الذكورة. تقول ميراي أبوحمدان: “أسباب كثيرة تؤدي إلى انتهاج سبيل العنف، أهمها النظرة الدونية، والقيمة المتواضعة للمرأة التي تتجذر في الثقافة الاجتماعية، والبيئية، والحياتية في مجتمعنا الشرقي”(22).

يدور حوار بين الرفيق المحامي(ص65)، وعبد الناصر، موضوعه تصفية زينة(ص63). يقول المحامي لعبد الناصر: “لا بدّ من تحييدها.. من عزلها .. من تصفيتها”.

_”ماذا؟”.

_…كل من يقف حجر عثرة في وجه حركة الجماهير ينبغي تصفيته… .

_”كيف نصفّيها؟ أنغتالها؟”.

_”أنا أحلّل الوضع وأعطي التعليمات. تفاصيل التنفيذ يحدّدها الرفاق”(ص64)”.

هذا الخطاب المعروض (المباشر)(23) بين الطرفين يبدي عنف الوضع السياسي، في البلاد، مركّزا على الاضطراب في الجامعة، حيث تتنازع الفئات المثقفة المتعارضة الرأي. هذا، وتتضارب الآراء بين أطراف الحزب نفسه، إذ بعد أسبوعين من الكلام الحاصل بين عبد الناصر والرفيق المحامي تمّ “انفصال المجموعة عن الرفيق المحامي، ظهر فصيل جديد بكلية الحقوق أغلبه من عناصر الدائرة الثالثة… جل الوجوه ينحدر منها الأستاذ الرفيق المحامي… أراد جمع من أبناء التيار من المنتمين إلى الدائرة الثانية… تأديب هؤلاء المنشقين وطردهم من الكلية “شر طردة”(ص65). يوضح النص طبيعة الانشقاقات العربية ضمن الحزب نفسه، حيث الأيديولوجيات المتعارضة، التي تسعى كلّ واحدة منها إلى الهيمنة على ما يعرقل تقدّمها. نفهم مما ورد آلية اضطرام العلاقات في تونس، وكيفية تفاقم عمليات التخريب في الوطن، وكلّ ذلك يتم من قبل أشخاص يدّعون بناءه.

بالعودة إلى زينة نسأل عن العدالة الإنسانية التي يتحدّث عنها الماركسيون، ومهمة إلغاء الصوت المغاير هي أساس فعلهم؟!

إنّ ذكاء زينة، وجمالها وجرأتها، جذبا عبد الناصر إليها، فتحوّل من رجل عليه تصفيتها بناء لأوامر حزبه، إلى رجل معجب بها(ص63)، لذلك يطلب منها ألا تنتقد اليسار(ص60). يقول الراوي “كان عبد الناصر يستمع إلى زينة وحديثها عن بورديو الذي لا يعرفه… ومجادلتها للباحثين في علم الاجتماع بانبهار شديد… كانت في تلك المكتبة شخصاً آخر قوي الحجة فصيحاً بارعاً. استحال الإعجاب بزينة انبهارا”(ص69). ومثل هذا الاسترسال في الكلام، واجتذاب المرأة للرجل نجده في رواية مليكة أوفقير “الغريبة”، عندما يتم التحدّث عن مليكة، التي تحسن الاستحواذ على السمع، فهي تجعل مستمعيها “في حالة انتظار وترقّب… مليكة… كانت، مثل شهرزاد”(24). لقد تجلت الأنثى في الروايتين مبهرة، قادرة على استمالة الطرف الآخر، وإن اختلفت المواضيع، والعلاقات. ونقرأ مثل هذا الإجتذاب في رواية “نقّل فؤادك” لحسن داوود، حيث يتحدّث الراوي عن سعاد، التي تجعل محاورها راغبا في مواصلة الكلام معها، واكتشاف ما تبغيه من كلامها(25).

إذأ، يتحوّل الطلياني من موقع المهدّد لأمن زينة إلى موقع الحامي لها. تسوء الأوضاع الأمنية(ص77)، فتبيت ليلتها في بيته، وهما اللذان يُعتقلان معاً(ص84)، وقد حصل الاعتقال بسبب تحرك عبد الناصر ضد النظام. يتهم عبد الناصر إنّه من الأخوان المسلمين، ويتم التجسّس عليه، ويزور”أقبية وزارة الداخلية”(ص91). يقول الطلياني للضابط: “تتجسّسون على حياتي الخاصة. غرستم وسائل التجسس في بيتي(ص97). وبعدما يخبره الضابط سي عثمان أنّ زينة نامت في شقته، إثر تحرّكاتهما ضد الحكم، يروح الطلياني يفكّر في تفتيش منزله كلّه، ليجد آليات التجسّس(ص98). ويطلق سراحهما لأنّ التحقيق لم يجد ما يستوجب اعتقالهما(ص87).  وتجتمع رواية “الطلياني” مع رواية “إنّه الدم” في ملاحقة المضربين، أو معارضي النظام، ومحاولة صدّهم، وخنق حرياتهم، كذلك التجسّس على تحرّكاتهم. تقول نوال السعداوي في روايتها: “خرجوا إلى الشوارع والميادين، الهتاف يدوّي: يسقط النظام… يسقط النظام… يسقط النظام”(26). وتتحدّث كيف تندسّ المخابرات بين المضربين لإسكاتهم، وتفريقهم. تقول: “ينشق الكون عن عساكر جيش وبوليس ملابسهم عادية، بعضهم بالجلابيب والشوارب واللحى الطويلة، يحملون البنادق والسياط والنبال، هجموا على ميدان التحرير، داسوا الناس بالحوافر والعجلات، أطلقوا النيران والغازات”(27). تلفتنا عبارة “يسقط النظام” المكررة، والتكرار لاشك يفيد التأكيد، والإصرار على الموضوع، وعدم التخاذل، أو التراجع مهما كان الثمن غاليا، ومهما كانت النتائج ظالمة وقاتمة. وبالعودة إلى موضوع الطلياني، يلفتنا احتواء الضابط “سي عثمان”(ص96) لابن حيه المعتقل، فنسأل إن كان تعاطيه معه بهذا القدر من الإيجابية عائداً إلى الحنين فقط، أم أنّ الذهنية العسكرية متملكة فيه، وكان يراعي مصلحة النظام. إنّ مراقبة عبدالناصر من قبل رجال الأمن، وتتبع أخباره قد يلغي فاعلية المشاعر، تلك التي يستفيد منها الضابط لأنّها تغني مصالحه العسكرية(28).وهذا يجعلنا نجزم أنّ سي عثمان رجل أمن بامتياز، وأنّ كل ما يقوم به رهن أوامر السلطة. ثمّ إن مراقبة عبد الناصر داخل سكنه، يؤشّر إلى عمليات القمع المتبعة لتقويض القوى الذهنية، والسيطرة على مقدرات الفئة المحرّكة للوعي الشعبوي، كي لا تفلت الأمور من يد الحكم.  إنّها أحداث توضح دكتاتورية السلطات التونسية، ومحاولاتها اللجوجة(29) لعدم إتاحة أي فرصة أمام أي خائن لتعهداتها. إن “أحمد بن صالح، الوزير الأوّل الأسبق في حكومة الحبيب بورقيبة في حقبة الستينات يرى أنّ “الاستبداد السياسي وعدم تطوير نظام ديمقراطي هو من الدوافع التي فجّرت ثورة تونس”(30). وقد عذّد محمد الشيوخ الأسباب الأمنية التي أدت إلى الثورات، نذكر منها:” _تعاظم القبضة الأمنية والقمع لجهاز الأمن مقابل غياب أو تغييب حقوق الإنسان”(31). ونجد مثل هذا النظام الاستخباراتي التونسي في رواية “الغريبة”، تلك التي تهيمن فيها الاستخبارت المغربية على خارج البلاد، لا على داخلها فقط(32).

يتحرك عبد الناصر ضد النظام، والهدف هو إثبات الوجود الماركسي، بعدما سعى الإسلاميون إلى مناوشة النظام، “ودفعه إلى التنازل لهم(ص80)”. ويتزوج عبدالناصر من زينة بعدما تبادلا العشق، غير أنّها تتلهى عن واجباتها الزوجية  بدراستها، وعندما يسافران إلى سويسرا قاصدَين زيارة أخيه صلاح، يخونها مع أنجليكا السويسرية، أخت زوج صلاح. وعندما يدخل الغرفة التي تنام فيها زينة، يراها “كملاك”، وهو الذي “لم يستطع أن ينظر إليها خشية… أسرع بإغلاق الأباجورة التي بجانبه وأدخل رأسه تحت الغطاء”(ص139). يتبدى لنا من خلال المنظور السيكولوجي الذاتي المتبدي من خلال استخدام عبارة “لم يستطع”، كذلك كلمة “خجلا”. إضافة إلى اخفاء عبد الناصر نفسه في الظلمة أنّ الطلياني مزدوج المعايير، وتحكمه غريزته. وهنا نسأل هل كان عبد الناصر حينها شيطانا، حتى رأى زوجه ملاكا؟! يسلسل النص الأحداث، وتأتي أعمال الشخصيات منسجمة مع واقعها، فمن يقرأ إهمال زينة لزوجها اللامثالي، قد يتوقع خيانته لها. يقول سعد جلال: “تؤدي الحاجة Need إلى استثارة الدافع Drive والدافع ما هو إلا حالة توتر تؤدي إلى عدم استقرار الكائن الحي فيقوم بنشاط تأهبي Peparatory activity. وكلا الحاجة والدافع في داخل الكائن الحي، واستثارة الحاجة والدافع يؤدي إلى البحث عن مشبع Incentive “حافز” هذا الحافز موجود في الخارج في البيئة”(33).

لا يعني ما ورد تبرير خيانة عبدالناصر، الذي كان يفتّش عن لذته، بعيداً عن الأخلاق. فالماركسي حسب عويضة يشعر بأنّه حر ولا يحسّ “بأيّ إلزام … فهو قد تخلى عن ربّه وتخلى عن القيم الأخلاقية المتعارف عليها وعن المجتمع القائم بنظمه التي يستهجنها”(34).

يصوّر المنظور السيكولوجي الذاتي، وبصدق المشاعر التي تنتاب عبد الناصر الخائن لزوجه زينة، التي لم تخنه أبداً. يقرّبنا السرد هنا من حقيقة أشخاص يعطون أولوية لحاجاتهم الجسدية، ولا يضعون حداً لرغباتهم، مهما بلغت درجة أذيتها للشريك. يتحدّث هيغل: عن تسامي النفس، التي ترتقي بعد أن تتلقى “مضموناً يعطيها القوة على مكافحة الأهواء، وإن أمكن على قهرها، تطهيرها… التطهير… يكون من نتيجة السيطرة، ولو في حدود ضيقة، على الأهواء والغرائز المنفلتة والوحشية”(35).

وهذه الخلافات التي تزداد بينهما تتطوّر إلى حد اتهامه لها بالأنانية، وهي ترد عليه أنّه خائن لماركسيته، بعدما بات رجل النظام(36) ، وصوته. يقول لها: “…لِمَ لا نشهر زواجنا؟”.

_”…أمهلني سنة كي أنهي التبريز. ثمّ ها إنّنا نعيش عيشة أزواج”.

_”لا أظن، أنت تستفيدين من عيشة الأزواج وإيجابياتها دون أن تلتزمي بواجباتك…”

ثارت ثائرة زينة… اتهمته بالأنانية… واختزالها في امرأة تقليدية يستعبدها المناضل الثوري الذي ترك الثورة ليطبّع مع النظام السائد ويعمل كلب حراسة… في صحيفة ناطقة باسم الحكومة تبرّر سياسة القمع والاستغلال… .

_ “معناها أنا خائن؟”… “راجعي نفسك إذا كنت تريدين مواصلة العيش معي”(ص193).

يقدّم هذا الأسلوب التعبيري المباشر، الذي يقطّعه السرد صورة عن طبيعة الخلافات، التي يمكن أن تنشأ إثر الارتباط الزوجي، عندما تبدأ ضرورات العيش تقتضي من الطرفين التنازل والتضحيات. يرى أوتو لينبرغ أنّ الغبن يؤدي إلى العدوان(37). ويقول مصطفى فهمي: “فطرية الميل إلى المقاتلة والرغبة في العدوان يكتسب في ظل البيئة التي يعيش فيها الفرد نتيجة احتكاكه بالجماعة التي يعيش بينها ونتيجة للسلسلة الطويلة للسلوك الإحباطي والقمعي الذي يتعرض له الفرد في جماعته”(38). لقد تفاقمت الخلافات بسبب الضائقة المادية، وبقاء عبد الناصر رهينة الأموال التي يرسلها صلاح(ص128). كما أنّ زينة عندما قبضت أجر خمسة أشهر اشترت ثيابا لنفسها، ولم تُعِنْه في شيء(ص144 و148). يتناول انجلش وجيرالد أعقد مشاكل الزواج ويريان أنّها ناتجة عن عدم وضع اهتمامات الطرف الآخر موضع الاعتبار. إذاً، هما يفكّران أنّ فصم معظم الزيجات لا يرجع فقط إلى وعورة علاقتهما الجنسية(39).  تبرد مرحلة العشق بين زينة وعبدالناصر ويخف أوجها بسبب متطلبات العيش، وقد كان نضج العلاقة يحتاج لتفعيل الوعي عبر قهر العوز، والتفكير مليا فيما يحتاجه الآخر، لا استغلاله. يبدي النص سببا من أسباب الخلافات الزوجية، المتغايرة بتغاير متطلبات الحياة.

لعلّ تلك الخلافات ساهمت إسهاماً فعليا في إقامة الطلياني علاقة خارج إطار العلاقة الزوجية، فنجلاء، فكّرت أن تشاركه دفع المال(ص195)، في حين أنّ زينة كانت تعفي نفسها من هذه المسؤولية(ص195)، هذا إضافة الى استمرار زينة في قضاء جل وقتها مع الكتب. يقول سيرجون انجلش وجيرالد بيرسون: وعن الإشباع في الزواج “نستطيع أن نقارن عمل الإنسان بمخزن للبضائع يفرغ إذا لم يعد ملؤه من جديد وكذلك الناس: إذا لم تسلك السلوك الذي يؤدي بها إلى تحقيق الرفعة والإشباع من العمل والحياة الاجتماعية اليومية، فهم يصلون غالبا… إلى وقت يحسّون فيه أنّهم مفلسون تماما من الناحية النفسية”(40). يحتاج الإنسان لسد فراغ ما يحتاجه سواء أكان متزوّجا، أم لا. نقرأ في رواية “عشاق نجمة” عن سامي العازب اللبناني، الذي يشتهي ضحى صديقة حبيبته جنى الفلسطينية، تلك التي تركته وتزوجت من رجل ثري كبير في السن. تقول الروائية أنّه تأمّل صديقة حبيبته “بعينين طافحتين بالرغبة”(41). وهنا لا شك في أنّ ما حصل تعويض لنقص يعاني منه سامي، إثر فقده حبيبته. وإذا كان الطلياني بوجهين مع زينة، فإنّ والد لارا الشاعر بقلب مناضل “بوجهين” أيضا، فقد أنجبها وتخلى عنها، ولم يسأل عنها طوال سنين، وهو الذي تزوج أمّها ورماها بعد شهرين(42).

إنّ الإشباع حسبما ورد أمر ضروري، لذلك نجد الطلياني يطلب الزواج من نجلاء(ص197)،  ينقل الراوي ما يدور بين الطلياني ونجلاء:

” “أتتزوجينني؟”.

ضحكت بصوت مسموع. فردّ عليها:

_”أتحدّث جاداً… أجد نفسي معك في راحة كبيرة…”.

_”اسمع عبدو، أنت لا تعرفني… لو تزوجت كلّ رجل أعجبته وأعجبني لجمعت الآن قبيلة… أنا كرهت الزواج”.

_… .

_”وأنا الآن أشعر بحرية لن تتوفر لي إذا تزوجتك… أنا حاضرة متى شئت…”(ص198).

قد يبدي التعبير المباشر بينهما، الذي يقطّعه سرد قصير، والذي يكاد يتعادل فيه زمن السرد مع مرجعيته(المشهد)(43) تلك اللاأخلاقية لدى الطرفين، فهما يبيحان لنفسيهما حرية تنتقص من الآخر، وتستغبيه، وتغبنه راحته. لذلك أرى أنّ عبدو يجسّد وجه الزوج المخادع، كما أنّ نجلاء تلبس قناع الصديقة المخلصة، فيما تختار سرا أوقح السبل لتحرير غرائزها، بعدما تتحلل مع شريكها من مشاعرها الإنسانية، فيخضعان لنزواتهما الحيوانية.

يرضى عبدو لذاته، ما لا يرضاه لزينة. إنّ ما ورد يكشف النقاب عن الذكورية الشرقية العنيفة بمواقفها ضد المرأة. فالطلياني عندما يجد رسالة من إريك تهنئ زينة بالنجاح(ص214)، يفكّر أنّ قلب زوجته في مكان آخر. يقول الراوي:”فهم كلّ شيء. هكذا تصوّر. عقلها متعلّق يإريك هذا. فيلسوفة كونية منفتحة على العالم وتريد أن تفتح فخذيها لرجل من الضفة الأخرى. مَن يكون؟ بِمَ أجابته؟ هل تملك عنوانه؟”(ص215). تتجلى رؤية الطلياني السيكولوجية الذاتية من خلال التكهنات والأسئلة المتلاحقة، تلك التي كانت تنفق ما في بال عبدالناصر من شكوك، حملته إلى أسفل المدارك. تلك الأسئلة ردّدها الزوج، واحتاجت إلى أجوبة يقينية، قد تبعد عن كاهله قهر التخمين، الذي يفتّت متانة أي علاقة زوجية.

ولو راجعنا علاقات الطلياني مع النساء، عرفنا كما ذكرنا آنفا أنّ تفكيره تتحكّم فيه الأنا بامتياز. لقد أراد من المرأة الانغلاق، والتمتع بالفضيلة، في الوقت الذي أباح لنفسه أن يعيش شراهة رغباته كما يشاء. وهنا ندرك أيّ حد من التجاذبات النفسية تلمستها الرواية. يقول فرويد:”علينا نحن بني الإنسان، أن لا نهمل الحيواني في طبعنا”(44). وإن كنّا لسنا بوارد تبرير تصرّف الشخصيات، إلا أنّ عمق النص، الذي تمسّ أحداثه أسراراً تفصيلية قد تلامس حقائقها مشاكل آخرين، يعطي الموضوع أهمية، إذ يجعله متماساً مع صميم الواقع الإنساني. فإذا كان العقل قد جعل الطلياني يلوم نفسه يوما لخيانته زينة مع أنجليكا، فإنّ تلك الحيوانية الغرائزية، التي تحدّث عنها فرويد هي التي جعلته يشعر أنّه “مات يوم ولادته في أحضان نجلاء”(ص228)(45). يبدو واضحا أنّ المثال الأخير المقتطع من الرواية يحوي المستوى السيكولوجي الذاتي. لقد تناول ما راود عبدو من أحاسيس جياشة وهو مع نجلاء، وهذا طبعا يدّعم السرد، ويوهم بمضامينه. فتلك الحيوانية نفسها التي تحدّث عنها فرويد، هي التي دفعت الطلياني إلى ممارسة الجنس مع زينة في كلّ مكان، إثر مغادرته فراش نجلاء(ص240). وهذه الغرائزية الحيوانية هي التي تعيده أيضا في ذكرياته إلى أوقات جمعته جسدياً مع “للاجنينة”(ص244). لا شك أنّ استرجاع عبد الناصرالطلياني لعلاقته السرية مع للاجنينة في أثناء اجتماعه بزينة، يشير إلى أنّ الرغبات الغريزية تتحكّم بالذهن، وإن تخفَّت ظاهريا، غير أنّ ضجيج الجسد المتضجّر من راهنيته يستعيدها، ويستهلكها حين يحتاجها، كي تتكامل أهدافه. وانزياح الواقع الآني، والحلول في ما مضى يحقّق الرخاء النفسي، وإن كان ذلك يتطلّب من عبدالناصر الاستعانة بالأنا الدونية، حتى يتصالح مع جسده، ويدرك استقراره.

يعادي الطلياني بتصرفاته زينة، بعدما تزهق مشاريعه. يقول مصطفى فهمي في هذا الصدد: “العدوان وظيفة من وظائف الذات ( (Ego تظهر بتأثير الإحباط (Frustration)، فقد أدت البحوث في ماهية الذات والدور الذي تقوم به لتحقيق رغباتها إلى اعتبار العدوان من وظائف الذات الفطرية لتحقيق حاجاتها التي تتعلّق بحفظ الحياة وتحقيق الأمن”(46). نفهم مما ورد أنّ العلاقة الزوجية تغتذي من توازن الطرفين في جميع الأصعدة، فالمساواة لا تنحصر في مسألة من دون سواها.

وحتى لا يُقال أنّ تحليل النص وقع في فخ ازدواجية الرأي، أو تعدّده حيال إقامة عبد الناصر علاقات خارج إطار الزواج، أو حين تمّ تأويل تصرفات زينة، أو غيرها من الشخصيات، نؤكّد أنّ ما ورد من تأويل ليس أكثر من افتراضات، تتقصّدها الدراسة لتستخرج الخبيء، الكامن في طيات الكلام، ولا يعني مناصرة رأي على رأي.

وتجهض زينة(ص284)، وهذا يغضب عبدالناصر، ويستمر في علاقته معها، حاسباً ذلك واجبا زوجياً(ص274). ويتحوّل عبد الناصر، فيكثر من إقامة علاقات مع نساء الحانات(ص265). وعندما تقرّر زينة السفر إلى باريس لمتابعة دراستها من دونه، وتطلب الطلاق، تعرف حياته منعطفاً حاداً(ص282 و283)، فيروح يعدّد  علاقاته الجسدية مع النساء. وتتبدّل علاقته بنجلاء، فتبيت من ذكريات خيباته مع النساء(ص291). لقد صارت نجلاء تعرف رجالا آخرين(ص295).

ويتعرف إلى ريم، محاولا معها تعويض ما فاته، غير أنّ وجوده معها في فراش واحد، يحرّك لديه ذكرى أليمة، وهي محاولة اغتصابه من قبل الإمام علالة الدرويش حين كان عمره تسع سنوات تقريباً. لقد رفضت ريم أن تفقد عذريتها، وأدارت له ظهرها، وهذا ما جعله يسترجع مكبوتاته الموجعة(ص316). يقول الراوي عنه:”كان نشيجه وهو يروي لي أسراره كنشيج أرملة شابة… كفّت دموعه… اعتبر أنّ علالة كان يتدرّب عليه للانتصاب”(ص321). يوضح  المنظور  السيكولوجي الذاتي، المتبدي من خلال تكرار كلمة نشيج مرتين مدى العذاب، الذي حلّ بعبد الناصر. وتجعل عبارتا “كفّت دموعه”، و”يتدرب عليه للانتصاب” القارئ في حال تماس تام مع هموم عبد الناصر طوال الأعوام المنصرمة الثلاثين. إنّ الرؤية على المستوى السيكولوجي الذاتي هنا لها دورها الفاعل في عملية نهوض النص، وتفعيل أحداثه، إذ إنّها تسبر أعمق الأحاسيس الإنسانية. يتحدث خالد خليفة في روايته عن مثل هذا الاغتصاب لنزار من قبل إمام الصلاة. يقول “اغتصبه بالقوة”، وقد اتُهِمَ هذا الإمام باغتصاب أطفال غيره(47). غريب أن يكون ركن العقل في المجتمع أساساً لتفسّخه، الأمر الذي يحوّل ستر الدين ثوباً واهياً. ففي رواية حسن داوود “لا طريق إلى الجنة” يشعر الراوي الشيخ بعد أن لبس العباءة والعمامة أنّه يستعير ثياب سواه. والشيخ المتزوج، والمريض بالسرطان في هذه الرواية لا يغتصب الذكور، غير أنّه يرغب امرأة أخيه المتوفي من دون التزام ديني. هكذا يبدو الشيخ يرتدي الزي الديني، لكنه لا يراعي حرمته(48). يشير ما ورد في الروايات الثلاث  إلى أنّ المظهر الديني لا يلغي عن ذات صاحبه المكر، وأنّه قد يخفي خلفه أفظع التصرّفات وأقبحها.

ويتبدى وضع تونس الأمني في أثناء الحديث عن مسيرة الطلياني السياسية، خصوصا المرحلة التي سلفت نهاية حكم بورقيبة، وأعقبته، حين بدأ حكم زين العابدين بن علي. يتجلى في تلك المرحلة الصراع اليساري والإسلامي في كثير من مواضع الرواية. يقول الراوي عن عبد الناصر اليساري، المعادي للنظام في عهد بورقيبة “كم مرة فكّر في أن يقطع صلته بالهياكل النقابية الموقّتة وأن يعود على الأقلّ مناضلا قاعديا من الدائرة الثانية أو الثالثة. بيد أنّه كلّما فكّر في ذلك وجد أنّ ما سيفعله، لو فعله، معناه انهيار كلية الحقوق تماماً… بين أيدي الإسلاميين” (ص92)(49). يسارية الطلياني تحضّه على صلابة الموقف ضد الإسلاميين. وتأتي جملتا “كم مرة فكّر”، و”كلّما فكّر” لتحيلا القارئ إلى حالته السيكولوجية الذاتية المتألمة من الوضع السياسي المتوتر. ويشير التواتر التكراري النمطي، المتجلي من الجملتين الآنفتي الذكر أنّه قد فكّر مرارا بهذا الموضوع، وكانت الفكرة تضج في نفسه، وتلحّ عليه. إنّ ما اورده يبدي عظمة التشنجات النفسية في ذات الثوري اليساري في تلك الآونة التاريخية، وهي توهم القارئ بواقعية الأحداث، بعدما تحمله إلى مراحل مضطربة عاشتها تونس.

ويكرّر الطلياني رسوبه في الجامعة(ص92)، ليناصر الفكر اليساري. وهنا نلحظ أنّ النص يحرص على تقديم الثورة من خلال فاعلية الجامعيين بشكل خاص. ويبدو أنّ قمع السلطات لهم يرجع إلى رهبتهم من أدلجة ذهنية المتعلمين، الذين سيحرّض إرشادهم الرأي العام داخل بيوتهم، وفي محيطهم، فيحوّلون الناس عن قبولهم الانجرار وراء الحاكم.

ويصل الراوي إلى مرحلة يتساءل عما حصّله من جراء التزامه الخط الماركسي. يقول الراوي:” ما الذي جناه من قيادة التيار؟ لقد دخل عدد من رفاقه الذين سبقوه، او بدؤوا تجربتهم السياسية معه، معترك الحياة. جلّهم في المحاماة في مرحلة التمرين أو استوفوا فترة التمرين وبعضهم في وزارة المالية أو الوزارة الأولى… نسي الرفاق القدامى التنظيم والتيّار وأصبحوا متعاطفين من بعيد…”(ص92).تتحكّم أيديولوجيا المنفعة في نفوس العباد. تلك الأيديولوجيا تدعو عبدالناصر ليتفرّس في واقعه، وتُنَبِّهه كي يعالج أمور عيشه، ويفكّر في تحسين حياته، فلا يبقى عالة على صلاح أخيه(ص94)، الذي يرسل إليه الأموال. ثمّ إنّ تعصب الطلياني إلى الماركسية يضلّل خطاه حسب رأي زميله “الطاهر”(ص94)، ذلك الذي يرى أنّ على الطلياني وضع خطة جديدة تقيه العوز إلى الآخر. إنّ الدفاع عن الفكر الماركسي، والتضحية من أجله، بدّد من أمام الطلياني فرصة الالتحاق بركب زملائه، الذين اختاروا لأنفسهم طرقا جديدة كفيلة بتقدّمهم،  وتأمين مستلزمات عيشهم.

يفسّر ما ورد صعوبة الالتزام بالقيم التي يقتنع بها الفرد، إذ أنّ الحواجز التي توضع أمامه توقعه غالبا في العجز. إنّ حالة الطلياني قد تتكرر في أي زمان ومكان، ونجد ما يماثلها في مجتمعاتنا العربية. يرى الطلياني أنّ العالم التونسي سينهض من خلال الفكر الماركسي، لكنّه يتنازل عن ذلك الرأي، ويبيت في المقلب الآخر المناقض، بعدما يصبح مؤيّداً للنظام في مقالاته.

قد يفاجأ القارى ء لتحوّل الطلياني هذا، خصوصاً أن ّدوره كان هاما في الحزب الشيوعي، ففي العام 1980 كان يعزّز الهياكل النقابية في الجامعة، كما كان يستقطب عناصر جديدة إلى الحزب، وقد كان وضوح رؤيته كفيلا بذلك(ص53)، ثمّ أنّ عبد الناصر من المحترفين الحزبيين(ص54). غير أنّ الطلياني عندما تعرّض في إحدى المرات لانتقاد ماركسيته من قبل زينة، يفكّر أنّ كلامها صحيح. تقول له: “صدقاً، لم أفهم إلى الآن صلتك بالتيار، قياديّ فيه ومتكلّم باسمه ولكن فكرك ارحب”(ص59). إنّ وعي زينة، وثقافتها كانا كفيلين بتعيين المفارقة القائمة بين ذهنية الطلياني، وأفكار حزبه. وعندما نعرف أنّ عبد الناصر اعترف بخطورة ما باحت به زينة، بعدما “وضعت الإصبع على تناقضه الرئيسي”(ص59)، نتوقع إمكانية تخلي عبدالناصر عن تصرفات هددت لقمة عيشه، وحرمته التفكير في نفسه، وفي مصيره، حيث عاش عبئا على أخيه صلاح من الناحية المادية. يبدو أنّ تمجيد عبد الناصر للماركسية لم يكن صلبا ومتينا كما يجب، أي لم يكن متجذراً في كيانه كما ينبغي. وينمّ انتقاص زينة من ماركسيته عن أيديولوجيا أثبتتها الدراسات(50)؛ فالفكر الماركسي أتت نتائج تطبيقه قاتمة في المجتمع العربي(51). يتراجع عبد الناصر عن ماركسيته، ولا يضحي من أجلها حتى النهاية، ويبيت مؤيّدا للنظامين المتتاليين. وهذا يحملنا إلى اعتقادين، قد يتجاوران في ذات عبد الناصر، فينزاح عن دفاعه الماركسي. يفضي بنا  الاعتقاد الأوّل إلى أنّ التراجع ناتج عن عدم قناعة الطلياني التامة بالنهج الماركسي، والدليل اعتداده بما أوردته زينة عنه، وهو اتساع أفقه، وضيق أفق الماركسيين. ويبقى الاعتقاد الثاني، الذي يثبت أنّ  احتساب نسبة الأرباح الذاتية أساسية لدى الطلياني. ويتبدى صدق اعتقادنا من جشع الطلياني، مع أستاذه سي عبد الحميد بعدما ساير قلمهما الصحفي مرحلتي حكم بورقيبة، وزين العابدين بن علي. يقول أوتو لينبرغ عن حب الكسب L’acquisivite: “إنّ حب الكسب يمكن أن يُعتَبَر بحق كما لو كان في أساس كل بنية … للعالم… . ومن الراجح أنّ عدداً كبيراً من مؤسساتنا لا يمكن تعليلها إلا تبعاً للسلوك الصادر عن حب الكسب”(52). أيعني ما ورد أنّ الطلياني يجسّد وجها من وجوه تجار الحرب، تجار تونس، الذين يبيعون تعهداتهم بالمال؟ وهل ما ورد يتوافق بشكل، أو بآخر مع واقع العالم العربي؟

يقدّم ما ورد صورة ناضجة عن تقوقع المجتمع العربي، وتخلّفه، كما يبدي كيف يتحوّل البعض عما كانوا يعتدّون به كي يحسّنوا أوضاعهم، وكي لا يزهقوا أرواحهم في سبيل أفكار، قد يرون أنّها لن تثمر خيراً لهم. لكن، إلى أيّ حد يمكن أن يضحّي الفرد، ما دام عاجزاً عن تغيير مسار المجموعة، وما دام سيشعر أنّ الإعدام، أو التعذيب هو سبيله إنْ استمر في معارضته؟ يقول الراوي عن تعذيب الطلياني: “أجلسوه على كرسي. وقف على يمينه ويساره عونان بزي مدنيّ يحلو لهما أحياناً أن يصفعاه أو يشتماه. كانا يتناوبان على إهانته وسبّ أمّه وتحقير أبيه وعدّه من الشواذ جنسياً..كان عبد الناصر…ينعت الأعوان بالجبناء”(ص86). ويتحدّث محمد الشيوخ عن عقاب الثائرين ضد الحكم، ويشير إلى “ازدياد وتيرة الاعتقالات التعسفية والخطف والتغييب القسري”. كما يتكلّم على “التنكيل بالمعارضين وتعذيبهم بمختلف وسائل التعذيب حتى الموت أو حرمانهم من أبسط حقوقهم”(53). ونقرأ عن مثل هذا التعذيب في رواية “إنّه الدم” لنوال السعداوي. تقول: “الآلاف من الشباب قُتِلوا بالرصاص، والآلاف ماتوا نتيجة التعذيب في المعسكرات والآلاف فقدوا أبصارهم، كانت الرصاصة تنطلق من القناصة مباشرة إلى عيونهم، تختلط الجثث بعضها ببعض”(54). يُدرَك مما ورد أنّ الأنظمة العربية تستخدم الأساليب القمعية نفسها، كي تهلك قناعة الطرف الآخر. يحوّل قمع السلطة الطلياني من شاب ثوري ماركسي، إلى كاتب يدافع عن النظام، مؤيّداً لأفكار مديره في الصحافة سي عبد الحميد البورقيبي(ص154).إذا، قد يكون تعديل رأي الطلياني عائد إلى قلقه من التقهقر، الّذي يمكن أن يحلّ به، فتعذيب الشيوعيين أمر شائع في البلاد العربية. ها هو المسؤول الشيوعي المناضل في رواية “شريد المنازل”، الذي رفض خيانة رفاقه قد “ذوّبته المخابرات السورية كما يقولون في برميل للأسيد في خلال أحداث ثورة 1958″(55).

لقد أرهقت الحاجة المادية عبد الناصر، ولم تجد سبيلها إلى الحل إلا عندما التقى “عم حسن”، الذي يخبره عن حاجة جريدة الحكومة إلى مصححين(ص148). ويرتقي عبد الناصر في عمله الصحفي بسرعة، لجديته(ص152)، وذكائه، وبراعته، ولتعاطف المدير معه، الذي كان يشاطره الرأي في كره الإسلاميين، وتأييد اليساريين(ص154).

ويتحدّث النص عن مراقبة الحكومة لمقالات الجريدة. يُطلب من الطلياني أن يحذف مقاله الذي يتناول “مسالك توزيع الخضر والغلال ودورها في رفع الأسعار”، وقد كانت البلاد حينها “في أزمة اقتصادية حادة، وكانت على حافة الإفلاس”(ص153). ويتكرر هذا الوضع مرة أخرى، عندما يقول سي عبد الحميد للطلياني: “بالمناسبة عليك أن تحذف من ملحق الخميس الفقرات التي ترجمتها من “طبائع الاستبداد” للكواكبي… فقد جاء في اليوم أبو السعود.ح وأعلمني بأنّك تجاوزت الخطوط الحمر وانّ جريدة الحكومة أصبحت مثل صحف المعارضة. …رأى أنّ النص الذي اخترته توحي به إلى استبداد بورقيبة… أرسلته وزارة الإعلام بصفة رسمية ليشتغل “مراقباً عاما” للصحيفة…(ص210). وتتحدّث رواية “إنّه الدم” عن مراقبة السلطة للصحافة، وإذلال الصحفي، ومنعه من نشر أفكاره. يُطْلَب من فؤادة في رواية “إنّه الدم” حذف جزء من مقالتها. يقول لها الأستاذ الصحفي:”إحنا بنعيش في دولة فاسدة من قمة رأسها لأسفل مؤخرتها، النفاق يكسب في كلّ مجال خصوصا الصحافة، لا يمكن أن أستمر فوق الكرسي من دون إراقة ماء وجهي، لازم أحط مناخيري في الأرض”(56). ثمّ تتناول تراتبية الإذلال المتبعة من قبل الأعلى رتبة، لمن هو أدنى منه. ومثل هذا الإذلال أحس به الطلياني عندما أمروه بحذف مقاله، يقول الراوي:” أحسّ بالقهر و لكنه فكّر في وضعه الجديد، وفي ما سيفعله لو غادر الصحيفة… أتمّ ترجمة نص… عن الداروينية تعويضاً لترجمة المقتطف من كتاب “طبائع الاستبداد”(ص213). ونستشف مما ورد في المثالين المأخوذين من رواية “الطلياني”، إضافة إلى ما ورد في رواية “إنه الدم” عن فؤادة أنّ أيديولوجيا القمع متحكّمة بحرية الرأي، فالصحافة مراقبة ويحظّر عليها نشر مقالات تعارض سياسة الحكم. وهذه الظاهرة معهودة لدى الدول العربية، حيث يتم مصادرة الرأي، ومحاكمة المخالف، وهذا ما سبّب قلقاً في ذات عبد الناصر. يقول الراوي أنّ عبد الناصر “أحسّ بالقهر”، كما “فكّر” في ترك العمل الصحفي. تبدي العبارتان الآنفتا الذكر المنظور السيكولوجي الذاتي، وتضارب الأفكار المعتملة في ذهن عبد الناصر. وحين يقول الراوي أنّ عبد الناصر ترجم نصا لداروين، بعدّما فكّر بروية وحكمة، يقدّم ذلك من المنظور السيكولوجي الموضوعي، وهذا يفضي بنا إلى فهم الضائقة التي يعيشها الصحفي الماركسي، الأمر الذي أدى إلى رضوخه لقرار الحكومة. وهذا يتلاقى مع واقع غالبية السياسيين، الذين يبدّلون مواقفهم، وآراءهم، فيبيتون رهينة أوامر السلطة حفاظاً على مواقعهم.

يبدي تعدّد الأيديولوجيات المتعارضة استبداد الأنظمة العربية، وجورها بغية سيادة كلمة الأقوى، وقد رأينا أنّ كل ما يصدر من صحيفة الحكومة يجب أن يصب في مصلحتها، ولا يجوز أن يتعدى غاياتها، وقد كان عبد الناصر يعي ذلك. يقول:”هذه البلاد آلة عمياء لسحق الذكاء”(273). ونقرأ عن قمع السلطات الأصوات المعارضة في رواية “لا سكاكين في هذه المدينة”. تتجسّس فروع المخابرات “على أنفاس الطلاب والأساتذة والموظفين… يخرجون الطلاب من قاعات الدروس ويقودونهم في مناسبات الحزب بمسيرات تأييد تنتهي بكتابة رسالة بالدم وإرسالها إلى القائد المسترخي في قصره بعد إسكات أي صوت معارض، وتدمير مدينة حماة واعتقال عشرات الآلاف من طلبة الجامعات اليساريين والمتدينين”(57). ترتاح السلطة  المهيمنة، فيما تؤرّق معارضيها. لقد جعلت الحكومة في سوريا  المتعلّمين يعيشون القلق منها، بعدما روضتهم، وكبلت خطاهم، وكمّت أفواههم. يبدو واضحاً مدى تشابه القمع بين أنظمة الاستبداد العربية؛ فنظام بورقيبة كان همه الأوّل والأخير السيطرة على الأصوات المعارضة من اليساريين والمسلمين في الجامعة، ومثل هذا قد تجلّى واضحا في رواية “لا سكاكين في هذه المدينة”(52).

وقد كان سي عبد الحميد يخبر عبد الناصر صراعات القصر، وأسرار المسؤولين، والعالم المتعفّن المليء بالخيانات. قال له: “إنّ مَن يتحرك اليوم في أيّ موقع من مواقع الدولة كَمن يسير على حبل رقيق. قد يسقط بمجرّد رفّة فراشة ليجد تحته التماسيح فاغرة أفواهها تنتظر أن تّطْبِق عليه بفكيها…”(ص156). يقتضي التعاطي مع الواقع دراسة مجمل القضايا، ومراقبة التطوّرات، لاتخاذ الإجراء المناسب في الوقت الملائم، ويجب مراعاة المرحلة لاختيار الأصلح والأصوب دائماً. تتطلّب أيديولوجيا المصالح قراءة الأحداث، وتحديد الخطة الصائبة، كي لا يبيت التونسي فريسة المستقوي. على التونسي أن يحصّن مكانته، ليحصّل مبغاه. إنّها أيديولوجيا تفسّر ذهنية المجتمع، وما ينطوي عليه من فئات متصارعة، تهدف كل جماعة منها إلى تقوية مناعتها ضد معارضها، فتتربص له لتلتهم قوّته حين تسنح لها الفرص. ثمّ إنّ التجرؤ على موقع الكبار، يهبط بقائله إلى الدرك الأسفل، ويحلّ فيه أبشع التحقير. تُحذَف نصوص، وتُستَبْدَلُ بأخرى، كلّها أساليب تتبعها الحكومة التونسية للإرهاب، إذ أنّ الأنظمة العربية الجائرة لا يلائمها بث مفاهيم يمكن أن تُلهم قارئها فنون معارضتها، وهي المزدوجة المعايير. بمعنى آخر، تخشى الحكومة أن يعي الأفراد حقيقة الحاكم من معاني النص المواربة. أو لنقل أنّها تخاف من مماثلة أو مقاربة الآني الحاصل على أرض واقعها مع عيوب عيّنتها نصوص سابقة، فمضامين تلك الكتابات قد تلهم المثقف العِبَر، فتُعرَف الأنا من خلال الآخر، الأمر الذي يغرق الأنظمة في أحبولة الثورات ضدها.

وعن تعنت قرارات الحكام، وشلّهم حرية الشعب، سواء أكانوا من العرب، أو الأجانب، تتحدّث جنى فواز الحسن في روايتها “طابق 99” عن جون الأميركي، الذي امتثل لقرار حكومته، وتوجه للقتال على أرض الكويت. لم تكن زوجه ماريان مسيّسة، ولا “عرفت إن كان يجب أن تساند قرار دولتها. عرفت فقط أنّها لا تريد ان تفقد زوجها… يذهب للقتال على أرض الآخرين. لم تكره العرب بل كرهت حكومتها… وجّهت رسالة إلى عمدة نيويورك… عبّرت… له إنّها اكتشفت أنّ لا حرية في هذه المدينة المتلألئة بالأضواء”(59). تقول ماريان في رسالتها:”بدا لي أنّنا لا نختلف بشيء عن ذاك الشرق الّذي ينقاد وراء حكّامه”(60).  يبدي ما ورد أنّ مصادرة الحريات من قبل الممسكين بزمام الحكم ليست حكراً على البلدان العربية، فهي تطال البلدان الأجنبية أيضا.

ويتحوّل مجددا الطلياني من مؤيّد لنظام الحبيب بورقيبة، إلى داعم لسياسة زين العابدين بن علي. ولم يكن قرار الطلياني بمعزل عن قرار سي عبد الحميد، كلاهما يعمل في الجريدة الناطقة باسم الحكومة، لذلك كان مفروضا عليهما دعم التغيير الحاصل، ومباركة الانقلاب. يتحاور عبد الناصر مع سي عبد الحميد، ويقول: ” “…لقد انتهى بورقيبة… ولم يعد رجل المرحلة… إنّ شعب تونس يميل مع النعماء…”. …واصل عبد الناصر: “شخصيا لا أحب هذا الرجل الذي قمع المتظاهرين وقتل الناس…”. وينصح عبد الناصر سي عبد الحميد بأن يختار صفة من الآن مع بن علي، فبورقيبة لا مستقبل له… طلب سي عبد الحميد من عبد الناصر أن ينكّب الآن على تحرير مقال يرحّب فيه بالتغيير… ووصف بن علي بالمنقذ للدولة… هذا ليس عددا من الجريدة إنّه موقف”(ص233 و234). يوضح الحوار المباشر، وما يقطعه من سرد الوضع السياسي، حيث الترقب، والمخاتلة، والكذب، كما يبدي الجشع والمكر والدهاء. هي تسميات عديدة، تصب جميعا في مصب واحد، يليق بالأنظمة العربية المتعاقبة. إنّها أيديولوجيا الرياء، المرتكزة على النفعية، والمتلهفة للتربع على المراتب، بمعزل عن أي معتقد يلتزم به المرء، ويكون مناسبا لمسيرة وعيه. فعبدالناصر وسي عبد الحميد، والناطقين في جريدة الحكومة، وكل من يسعى سعيهم، ليسوا سوى آداة تحرّكها السلطة وفق مشتهاها.

تعارض شاسع بين الحكمين المتعاقبين، غير أنّ مفاهيم الماضي يجب أن تُطْوى بانتهائه، لذلك نكرانها يبيت أمرا ضروريا. وهنا يكمن نقد الواقع، إذ قد يتساءل المتلقي عن مدى النفع، الذي سيقدّمه المثقف إلى مجتمعه حين يبيت طوع التبدلات، ولا يحتفي بفكره الخاص، أو يدافع عنه، فيتقبّل صورة بلده القاتمة، ويسعى لتجهيل الرأي العام. لايريد عبدالناصر، وأمثاله التعرّض لوخز السلطة، لذلك يراعون التغيّرات، ويأتمرون بأمرة الممسك بزمام الحكم، مهما كان ملوثا. أحسب أنّ النص يحوي سخرية مخبوءة من سياسة البلاد العربية، ونهج الأفراد المستعبَدين، المتواطئين على حرّيتهم، حيث اللغة المشتركة غالبا واحدة، وهي دعم “مَن أصبح على الكرسي(ص232)”.  يقول هيجل:”ولكن كيف يعرف الإنسان إرادته الحقيقية وكيف يتم التوافق بينه وبين الفكر إذا سقط ضحية الرغبة الحيوانية وراء نهب المنفعة الأنانية!…فقد يطيع الدولة لخوفه من عواقب العصيان فإذا أطاع رهبة فهو ليس حراً”(61). يتحدّث راوي “لا سكاكين في هذه المدينة” عن هذه الرهبة الممارسة من قبل الأنظمة الرجعية، ويبدي أسلوب الضغط الممارس على الرأي العام. يقول أنّ نشرة الأخبار التلفزيونية  قد تستمر ثلاث ساعات، وفي أثناء هذا الوقت يستعرض المذيع نشاطات الرئيس وأقواله المأثورة، كما يستعرض بتفخيم زائد توجيهاته المقدّسة للمحافظين والوزراء وعطاياه لشعبه(62). ومثل هذا الموقف لا يختلف عن موقف سي عبد الحميد والطلياني في رواية “الطلياني” موضوع الدراسة، إذ كانا ينشران في الجريدة مقالات مهمتها إقناع الشعب بصفات الرئيس، الّذي لا يعنيه شيء سوى الوطن، ومصالحهم.

يكشف نص “الطلياني” خلل الأنظمة، إذ لا مناص من تراكم الأخطاء، بعدما بات مروّجُ العيبِ النخبةَ المثقفة. هم النخبة، التي تدعم الضلال، بدل أن تبيّنه للناس، وتدعوهم إلى معاداته، واستئصال جذوره. إذاً، لم يعد دور المثقف رياديا وتنويريا، مصوّبا للخطى، بعدما قرّر هذا العاقل، وبكامل وعيه أن يكون الصوت المغفل، فيما يعتقد الآخر أنّه موطن الفطنة، ويمكن الارتكاز على معطياته. ها هو الطلياني يدافع عن نظام بورقيبة السيئ، الذي لم ينزل في عهده “قطرة دم”، مع أنّ ما حصل في عهده كان “أخطر من تدفّق الدماء”(ص273). كما يمدح سياسة بن علي في الصحف، مع أنّه سرا يقول عنه أنّه عميل “للأمريكان”، وأنّه: “سيحمي مصالح هؤلاء قبل غيرهم وسيكون تلميذا نجيبا للدوائر المالية العالمية يطبّق سياستها حرفياً”(ص254). يتيح ما ورد فهم تبدّل مواقف الأشخاص العلنية، فيما يبقى مضمونهم مرهقا بالحقائق الشنيعة. فتأزّم الواقع التونسي ناتج عن تحكّم الدول الكبرى في مصالحه، ومسايرة المثقفين لهذا العيب، وإذعانهم لتعنت رؤسائهم. لا شك أن نص “الطلياني”  يستفيد من المرجعية السياسية التاريخية، ويقدّم ما حصل فيها، غير أنّه يدمجها بأحداث خيالية، ويمكن أن نتيقن من صحة ما ورد في المثال الأخير المقتبس من رواية “الطلياني”، مما سيورده عربي صدقي. يقول:”حكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أكثر من عقدين من الزمن، وخلال هذه الفترة أظهر الشعب له الولاء وأبطن له الكره والبغضاء… استلم 1987 بعد… الزعيم الحبيب بورقيبة. وعاشت تونس تحت حكم بن علي أسوأ أنواع الحكم الاستبدادي… وشهدت تونس توجيه ضربات متتالية لحرية المعتقد والحريات العامة، وخاصة حرية التعبير”(63). ويرى أنّ الثورات لم تُفضِ إلا إلى تجزئة العرب، وتفرقتهم سياسيا وجغرافيا، وثقافيا ودينيا(64).

ويتحوّل عبد الناصر إلى مراسل دولي في وكالة (أ.ف.ب)، بمساعدة سي عبد الحميد(ص273). يقول الراوي عن هذا الموضوع: “1989 التحق عبد الناصر بوكالة فرنسا للأنباء (أ.ف.ب)… ألسنة السوء أجمعت على أنّه طُرِد … فبعضهم تحدّث عن اشتراء جهات استخبارية في لبنان أو العراق لعبد الناصر وحين بلغ النبأ إدارة (أ.ف.ب) أطردته… لا أظنّ أنّ الوعي السياسي الذي يملكه عبد الناصر يمكن أن يوقعه… فهو كان يجنّد الخلق لمّا كان طالباً ويعسر تجنيده… كثير من الصحفيين يزعمون أنّ عبد الناصر بدون سي عبد الحميد لا يساوي شيئا… لسي عبد الحميد ميولا مثلية. ولكنّ مثل هذا الكلام لا يأبه له العاقل ولا يمكنني أن أقبله بتاتاً… لم يكن منذ نشأتنا في الحيّ، شاذا… لا فاعلا ولا مفعولا به”(ص295). يستعرض النص  الأيديولوجيات المتعددة حيال الموضوع الواحد، فارتقاء عبد الناصر في مجال الصحافة، ليس نتيجة جدارته، إنّما نتيجة اتباعه أساليب معوّجة، مكّنته من ارتقاء سلم الصحافة. أمّا الراوي، فينفي عنه تهمتي الطرد، والمثلية نفيا قاطعاً، مستندا في جزمه هذا إلى علاقة الصداقة الوطيدة بينه وبين الصحفي اللامع الطلياني في جميع المراحل العمرية. يغذي ما ورد السرد، ويذّكي الإيهام بواقعية المسرود، حيث ينتشر الحقد والضغينة والحسد في المجتمع لمن يتبوأ منزلة هامة.

وينتمي عبد الناصر إلى الطبقة البرجوازية الصغيرة، فقد كان لديه “بوك علي”، الذي يرعاه في أثناء ذهابه إلى المدرسة، وإيابه منها(ص27). وبوك علي كان يشتري للعائلة ما تطلبه من أغراض، “وكان يأكل وحده في غرفته… من الفلاحين الفقراء الذين كان الدستوريون الميسورون يحشدونهم لملء الاجتماعات بالحضور… بقي في العاصمة كالمتشرّد ولم يكن أمثاله يطمعون من الحياة في أكثر مما يسدّ الرمق… مقابل إسداء الخدمات التي يستنكف منها الأسياد الميسورون”(ص28). يبرز التفاوت الطبقي بين الطرفين من التراتبية المكانية، حيث كان “بوك علي” يأكل منفرداً في غرفة مستقلة عن أسرة الراوي، ويجلس في مكان لملء الفراغ في المناسبات السياسية. إنّ الفارق كبير وشاسع بين “بوك علي”، وعبد الناصر سواء في الأمور المادية أوالمعرفية، فعبد الناصر يبيت عندما يكبر محنكا سياسيا، وفاعلا حزبيا، أما “بوك علي” فما هو إلا خادم. يبدي ما أوردناه الرخاء المادي، الذي يظلّل حياة عبد الناصر، و يوضح الوضع السياسي والاجتماعي السائد، إذ يتكوّن المجتمع من الخطيب، والمصفق، أو الزعيم، وحاشيته. هي حقيقة مؤلمة ندرك مفاعيلها السلبية في المجتمع، الذي يعاني من اختلال التوازن الطبقي. إنّها صورة واقع العالم العربي المزري بشكل خاص، فالتاريخ يكرّر نفسه، فقط تتبدّل الأزمنة، وتتغيّر الأمكنة، وتتعدّل الأسماء.

وعدم مبالاة عبد الناصر، ومستواه الطبقي، أو برجوازيته المتوسطة نستطيع إدراكهما من تراتبية المكان، ونظافته. لقد كان عبد الناصر يسكن الطابق العلوي، في حين أنّ غرفة الدجاج في الطابق السفلي(ص33)، غير أنّ عبد الناصر يلغي المسافة الفاصلة بين الطابقين، لهذا تقول له أمّه: “ما هذا… قن دجاج”(ص34). تراتبية الأمكنة، وانعدام الفوارق بينهما يتجاوز حدود إبراز التفاوت المادي، ليبدي طبيعة عبد الناصر التي لا تهتم بالتنظيم والترتيب، والنظافة، ولا تكترث لما سيتركه تصرّفها من اشمئزاز وقرف لدى مشاركيها المكان.

 

3_ زينة المتفوّقة والمتمرّدة:

نشأت “أنروز”(ص49) ذات الأصول البربرية، والمحوّل اسمها إلى زينة لأسباب سياسية قمعية في أسرة فقيرة. يصف الراوي بيت زينة الفقير، الذي هو عبارة عن “فراش بمثابة دكّة علوها متر ونصف تقريباً. في أسفلها حصر تتكدّس فوقها الملابس. يحتلّ الراديو أحد الأركان، وفي الركن المقابل حقيبة كبيرة متقادمة حشرت فيها لوازم مختلفة، وتتوسّط مائدة صغيرة  للأكل ما تبقّى من الغرفة. لم تكن الغرفة تتجاوز المترين عرضاً والثلاثة أمتار طولاً. هي كل البيت. بجوار غرفة النوم والأكل وقاعة الجلوس هذه مكان مغطى دون باب يستعمل للطبخ وتوضع فيه الأواني القليلة والموقد. وبقربه فرن من الطين لإعداد الخبز. وأقرب منه موضع الخلاء”(ص107). يقدّم المكان بطريقة تبدي كيفية  تقسيمه، وتوزيع أشيائه، وهذا يجعلنا نعي وضع أسرة زينة المادي السيئ. يقول بوتور:”فهنالك أشياء لا يمكن أن يفهمها القارئ ويحسّها إلا إذا وضعنا أمام ناظريه الديكور”(65). يوهم هذا الوصف المكاني بواقعية المسرود، إذ قد يزيح من أمام القارئ أيّ مشهد آخر غير بيت زينة، الّذي يمثل أمام ناظريه بكلّ ما فيه.

تتمرّد زينة، ويقول والدها إنّها ابنة بورقيبة، الذي جعل النساء مستقويات. وتظهر قوّة زينة حين تتحدّث عن سيئات سكنها الدراسي، فيدور الحوار بينها وبين المدير من جهة أولى، وبين المدير ووالدها من جهة ثانية.

“_”حين تصلحون النوافذ المكسّرة التي تدخل إلينا منها الرياح والأمطار. وحين تنظفون المراحيض، وتقضون على الروائح الكريهة التي تنتشر في الممرات والأدراج وقاعات النوم، وحين تهتمون بصحة التلاميذ… وحين تحسّنون الأكلة…”.

_”أنتِ وقحة. سأطردك من المبيت والمعهد”.

ردّت زينة على تهديده بتهديد أقوى:

_”… أنت “إخوانجي”، أعرف ذلك، تكره المرأة وتعادي سياسة الدولة”.

فهم أنّ التهم الخطيرة التي وجهتها إليه قد تحرمه من وظيفة المدير… أجاب الأب المدير… أنّه لا يتحكّم فيها فهي ابنة بورقيبة الذي جعل النساء مستقويات… فكيف سيكلّم ابنة متعلّمة متفوّقة… وهو لا يعرف كتابة اسمه…”(ص47).

يبدي أسلوب التعبير المباشر بين زينة والمدير سياسة البلاد، التي تكره الإخوان المسلمين، وتريد القضاء عليهم. كما يدل أنّ بورقيبة كان مؤيّداً للمرأة، وداعماً لها.

ويحملنا هذا التعبير المباشر إلى مشاكل خطيرة تحصل في أمكنة التدريس، حيث يتم انتشار الأوبئة والأمراض، بسبب غياب الرقابة، وإهمال المعنيين واجباتِهم. يغني ما ورد النص، ويوهم بواقعية المسرود، لتناوله هموم العيش المتماثلة في كثير من أمكنة التعليم في العالم العربي.

ويبرِز التعبير غير المباشر الصادر عن الوالد أيديولوجيا التمرّد لدى زينة والعصيان، فهي ترفض الخنوع للرجل. لا ترضى زينة أن تؤدي دور الفتاة العربية المنصاعة لأوامر الذكورة، سواء أكانوا أرقى مرتبة علمية منها، او أدنى.

ويتضّح مما ورد أنّ زينة متحرّرة من قيود مجتمعها، وليست تابعة لأحد، وهذا  سنتيقن منه حين تتمرد في مكان دراستها، وفي بيت أهلها، كذلك في بيتيها الزوجيين الثاني، والثالث، لتقرّر في النهاية كيف تكون حريتها.

هل كان تصرف زينة نابعاً من إحساسها بالقهر؟ هل نعت يوماً ظلمها، واستسلمت، أم أنّها كانت قوية، ترد على مَن يؤذيها؟

لقد مثّلت زينة موطن القوة غالباً، فلم نجدها خانعة لأمد طويل عندما اغتُصِبَت، لذلك  بوّلت في طعام أبيها، وأخيها، اللذين فكّرت أنّهما اغتصباها. وقد ظهرت قوية حين عرفت أنّ ناصر يخونها، فطلبت منه استخدام ما يقيها نقل الأمراض إليها، ويبدو أنّها انتقمت منه عندما قرّرت التخلي عنه لمتابعة علمها في فرنسا. ولم نعرفها مسكينة حتى عندما وُجِهَت لها اتهامات الغش في الثانوية من الأساتذة المبهورين فيما تكتبه، أولئك الذين ظنوا أنّ ما تدوّنه ليس من نتاجها. وقد كانت قادرة مقتدرة حين تمّ اعتقالها، وحين واجهت الماركسيين في خطاباتها اللاذعة… .

وسنستفيد من مثال يبدي وضع زينة النفسي السيئ، وهي تعاني من اغتصاب، تظنّ أنّ من قام به هو والدها، وأخوها. يقول الراوي:”تذّكرت النّحر من الوريد إلى الوريد. ماذا لو كان كابوساً؟ مَن قال هو أبوها؟ لا يمكن أن يفعلا ذلك. لعلّه غريب. مَن يكون؟ …فالغريب قد يكون كذلك فلاحاً يحمل رائحة الحقول… ماذا ستقول لأمّها؟ مَن سيصدّقها؟”(ص110). يتوضّح انهيار زينة من خلال الرؤية السيكولوجية الذاتية، المستشفة من الإحساس بالذبح. أثارت زينة أسئلة متلاحقة، تضمنت  الظنون، وعبّرت عن شعورها بالغبن، وقلقها من ردود فعل أمّها والآخرين. تطرح زينة على نفسها تلك الأسئلة كي تكشف الخبيء، وتزيح عن البصر غشاوته، وعن البصيرة عتمتها. يولّد ما حصل لدى زينة  الغل، فتنتقم ممن اتهمتهما، لإنعاش ما تبقى منها. يقول الراوي:”كانت قد بالت في الكسكسي عند سقيه بالمرق، بصقّت بكلّ ما أوتيت من جهد في المرق. كان ذلك بداية انتقامها منهما، اشتمت رائحة البول عندما تجشآ… فكّرت… خطر لها أن تقطع بسكين الحديد الكبير سكين اللحم المخفيين في سروالهما… رأت الدّماء تقطّر وسمعت صراخهما يعلو وهي تضحك”(ص111). يبدأ الراوي الكلام عن زينة، فيتجلى  المنظور السيكولوجي الموضوعي، حيث نلحظ تحوّل زينة السريع من الانهزام إلى القوة. لقد رفضت أن تبقى يائسة، خاضعة للشعور بالعجز، لذلك راحت تفتّش عن سبل تؤكّد لها أنّها تستطيع أن تكون دائما ما تريد. ويستعرض السرد رؤيتها السيكولوجية الذاتية، فزينة “فكّرت”، و”خطر لها”، و”رأت”. هذه العبارات الثلاث التي تشي أنّها ترغب في الانتقام، هي ردة فعل الأنوثة المستضعفة على الذكورة القاتلة في وطننا العربي، الّذي كثُرَت فيه عمليات اغتصاب المرأة، وتنوعت أساليب تعنيفها. وتستبق زينة حصول أحداث في حال انتقامها من المغتصب، فهي “رأت الدّماء تقطر، وسمعت صراخهما”. والاستباق هنا بما يختزنه من أيديولوجيا الانتقام يتضمّن أهمية بالغة، فهو يُفَعِّل في زينة الاحساس بالسيطرة على العدو، عوضا عن الخنوع، والانتهاء والسقوط  في أحبولة الضياع. تتصوّر زينة ما سيحصل للمعتدي من تعذيب نتيجته الدماء، والصراخ، وهذا ينفي عن ذاتها صفة الضعف، والانهزام.

وتحاول زينة تجاوز محنتها عبر الكتابة. يقول الراوي:”يومها أحسّت زينة أنّها أصبحت شخصاً آخر. تخطر لها خواطر غريبة. شرعت في تدوينها في كرّاس”(ص111). تنفعل زينة، ويؤثّرعلى ذاتها ما حصل معها. والمنظور السيكولوجي الذاتي، الّذي نستمده من عبارتي “أحسّت”، و”تخطر” يرفعها إلى مرحلة إيجابية، نقرؤها من خلال قول الراوي أنّها “شرعت في تدوينها”. أن ينغمس المرء بالكتابة، عوضاً عن انغماسه في أمور سيئة أمرٌ في قمة السخاء المعرفي، حيث انتصار الأخلاق الفاضلة على العهر. إنّ توجّه زينة نحو الكتابة جميل، ويبرّر للمرء أسباب استمراره في الحياة نقياً، خاوياً من الأدران. لم تخفق زينة عند أوّل تجربة مريرة. لم يرهبها ما مرّت به، فظهرت غيورة على مصلحتها. إنّها أنموذج للفتاة الواعية، التي تنسف الجهل، ليحلّ محلّه النضج. إنّ ذلك الخواء النفسي في ذات المعتدي لم يوقعها في رهاب الخوف، إنّما جعلها تتأنّق الكتابة. لم تتجرّع زينة فقط كأس الاغتصاب في سن الأربعة عشر عاماً، إنّما أيضا كأس الزواج الأوّل من ابن عمها، وهي المرحلة التي تلت مرحلة الاغتصاب مباشرة(ص110).

وقد كانت زينة منذ طفولتها تعالج مشاكلها عبر الكتابة، وهي القارئة النهمة. تقول:”كنت مغرمة بالتقاط أي ورقة مكتوبة. أقرأ حتى ورق الجرائد الّذي يلف فيه العطّار المشتريات. كنت أقرأ كتبي الدّراسية جميعاً ما إن نحصل عليها من شعبة القرية أو العمدة كمساعدات للعائلات المعوزة… أمّي… تأتي إليّ كل يوم بصحيفتين من بيت مشغّلها… تجلب لي الكتاب خفية”(ص72).  تسيطر أيديولوجيا المعرفة على زينة، فقد كانت مثقفة، ومجتهدة. إنّها تتحدّى بالعلم الفقر، والجهل، لتخرج من عتمة محيطها. إنّها حضارية، والدليل موجود في هذا المثال، وهو يقيني، ولا لبس فيه، فالقراءة عندها تجسّد النور، فيما عدمها يعني الظلمة.

وسوف نعود إلى تهديد زينة للمدير، وقولها له أنّها ستخبر النظام أنّه “إخوانجي”، لنتساءل إن كانت زينة مؤيّدة لنظام بورقيبة، ومعادية للأخوان المسلمين حتى تتسّلح بما أوردته؟

لقد كان الجميع يسعى لمعرفة انتماء زينة السياسي(ص56)، فقد كانت أقوالها معادية لرموز الماركسية(ص57)، كما كانت تسخر من القطيعة السياسية اليسارية، حاسبة أنّ العمل النّقابي إصلاحي، و”يتطّلب الحوار مع السلطة”(ص54)، وهذا كان يدفعها إلى الجزم بأنّ اليسار جاهل(ص54 و55). إنّ هذا الكلام ينفي عنها فكرة انتمائها اليساري.  لكن أيعني عدم اكتراثها لما تمليه الماركسية أنّها تنضم للضفة الأخرى المعادية، أعني  الفكر الإسلامي؟

إنّ زينة كانت ملّمة بالتاريخ الإسلامي(ص57)، و كانت تناقش أفكارا تنتقد من خلالها المسلم غير المدرك…(ص57 و58)(65).وإذا كانت لا تؤيّد التوجه الإسلامي، ولا التيار الماركسي، أيمكن أن تكون مع النظام، وهي التي حمت نفسها من المدير بتذكيره  بما يقدّمه بورقيبة للمرأة؟ زينة، وإن هدّدت المدير لعدم تأييده نظام بورقيبة، إلا أنّ ذلك لا يعني قبولها ما يمليه هذا النظام على المرأة، وهي التي كانت حرة الانتقاد. ينقل الراوي الحوار الدائر بينها وبين عبد الناصر:

“_”لا خلاف حول حريتك… أنبهك إلى أنّ نقاشك النظري لا تبعات فعلية له إلا الإضرار بعملنا الميداني”.

_”لا أقصد ذلك ولست منتمية إلى أيّ تيار”.

…_”أطلب منك أن تختاري منبراً آخر للجدال والسجال غير الاجتماعات العامة وحلقات النقاش”.

_”إذن أنت تصادر حقي في التعبير شأنك شأن نظام بورقيبة” “(ص61).

تبدو زينة من خلال هذا الخطاب المعروض المباشر امرأة متمرّدة على واقعها، رافضة لمقاييسه. هي امرأة فذة الثقافة السياسية، عميقة النظرة، يصعب ترويضها، أو التأثير عليها لترسّخ قناعات خاصة بها في وعيها. يبدو لها أنّ الطلياني في سياسته يمثّل وجه نظام بورقيبة، الذي يصادر المرأة حقّها. هكذا ندرك أنّ مواقف زينة أحياناً تمليها الظروف المحيطة بها، مستفيدة بذلك من قراءتها المعطيات، بعدما تتكئ على ما يمكن أن يحرّرها من تهديد، أو قيد. وهذا نتيقنه من تهديدها للمدير بأنّه إخوانجي. وينم تهديد زينة للمدير عن ذكائها في اختيار السبل التي تخلي سبيلها من التهلكة، وليس لاقتناعها دائما بما يصدر عنها من كلام.

إذا، قد كان دعم بورقيبة للمرأة شكليا، أو ظاهرياً، أو لنقل أنّه كان منقوصاً، وغير مكتمل، لذلك قد استطاعت امرأة عادية مثل نجلاء اكتشافه، فكيف لزينة المثقفة والذكية  ألا تكتشف عورة إهماله حقّها، وحقّ زميلاتها. تقول نجلاء في هذا الصدد:”لقد أعطانا بورقيبة قيداً جديداً… أمّا البيت فسجن صغير وأمّا الشارع فسجن كبير”(67). والدفاع عن حقوق المرأة أمر شائع في البلدان العربية، لذلك يتكرّر حضوره في الروايات، ففي رواية “شريد المنازل”، تدعو يسرى النسوة إلى ندوة في حي النبعة الفقير ليتحدّثن فيه عن حقوق المرأة(68).

إذاً، لم تكن زينة أنثى اعتيادية، لقد كانت تبحث عن حريتها، فبعد وفاة والدتها، التي لم تتأثر لفراقها(ص235)، تقرّر أنّها باتت حرة. تقول:”لقد انتهى آخر رابط لي بالقرية، أنا الآن حرّة، حرّة كطيف النسيم”(ص253). كما تكرّر زينة ما يشير أن حريتها باتت تامة بعد وفاة أمّها، إذ تقول أنّها باتت “أم نفسها”(ص240 و244 و283 و285). هذا التواتر التكراري، الذي هو عبارة عن خطابات متعدّدة متكرّرة، تتناول الحدث نفسه على لسان شخصية واحدة(69)، وهي زينة، يفيد أنّ رغبة عارمة كانت تتملكها، وكانت تنتظر حصولها، وجدّيا تفكّر فيها، ولمجرّد حصولها على ما تمنته، راحت تكرّر ترداد فكرتها. وهذا التواتر التكراري يدعِّم أحداث النص الباقية، ويوضّحها، فنعي أكثر حقيقة زينة الجريئة والقوية، تلك التي لا تتورع عن التصريح بما يدور في خلدها، كما لا تتردد مطلقاً من تأييد قولها بالفعل. وتطبّق زينة فكرة أنّها “أم نفسها”، فلا تحرص على استمرار زواجها، كما لاتحترم رغبة شريكها، فتجهض طفلها الأوّل من الطلياني(ص256 و257 و268)، وكل ذلك لتحقيق مزيد من المكتسبات العلمية(ص262 و263).

ألا تعير زينة أهمية لحضور زوجها في حياتها مدلولا أخلاقيا، وهو أنّ الغرضية، هي التي هيمنت على الحب، والأصول. لقد تجرّدت زينة من غريزة الأمومة، تلك التي كانت سترزح بثقلها على طّموحها العلمي. يقول حسني عايش : أنّ “عاطفة الأمومة أو الحب الأمومي Maternal love… لدى الأمهات حاجة غريزية لحبّ أطفالهن… . وهنا نرى تأثير الأفكار الداروينية على الأسرة… يمكن ملاحظة غريزة الأمومة في الحيوانات. وأنّ ما يماثل هذه الغريزة موجود عند بني الإنسان ولكن داروين غفل عن أمر آخر في المجتمعات الإنسانية، الأكثر تعقيداً، عندما استخدمت غريزة الأمومة كمبرّر لاستثناء المرأة من الخروج كالرجل للعمل بأجر”(70). إنّ ما أورده عايش يمكن أن يتوافق مع ما حصل مع لؤي، وهيام في رواية “عشاق نجمة”. لقد طلب لؤي من زوجته هيام بعد دخوله السجن، وموت إحساسه بالزمن أن تجهض ابنهما، غير إنْام “سحبت جسدها بعيداً وحمت بطنها بكلتا يديها…(71) .   هذا الرأي إن طبّقنا معاييره على زينة، ينفي عنها غريزة الأمومة. لقد قرّرت زينة إجهاض ولدها، كي تتابع مسيرتها العلمية، وهذا ما جعلها تنتمي إلى فئة النساء المخالفة لما أورده عايش. كأنّ زينة امرأة آلية مجرّدة من العواطف والمشاعر الأمومية، هي لا شك امرأة تقرأ الحياة من منظار مغاير لغالبية النساء الساحقة، اللواتي تحدّث عنهن المفكّر عايش، واللواتي يضّحين بكلّ شيء في سبيل تعزيز دور أمومتهن. لقد ألغت زينة من حسابها غريزة الأمومة، واستعاضت عنها بشغفها الدراسي. إذاً هي تتمتع بلغة خاصة، لا يتقنها إلا النزر اليسير من الأخريات. تجهض زينة، وهذا يغضب عبدالناصر، ويستمر في علاقته معها معتبراً ذلك واجبا زوجياً(ص274).إذاً، تصرف زينة يعوزه الأخلاق، فهي تقرّر الإجهاض، ولا تشاور شريكها الزوجي، وهذا أمر في غاية الخطورة، إذ بدت غير  متقبّلة بيئتها الجديدة. ف”وظيفة الأخلاق أن تساعد الفرد على أن يحيا ويتكيّف مع بيئته… وأفعالنا الإرادية تهدف إلى حفظ الذات… أو ترقبه حياة المجموعة بحيث يعيش الفرد في انسجام مع غيره من الأفراد”(72).

وعندما تريد زينة التدريس في الثانوية، يحول نشاطها السياسي من ممارسة رغبتها(ص115). غير أنّ الطلياني الذي يعشقها وتعشقه، يأتي لها بالبطاقة، التي تتيح لها مزاولة مهنة التدريس، وقد ساعده الضابط “سي عثمان” ابن حيّه في جلب تلك البطاقة(ص117). وعندما يتم تعيينها في ثانوية بعيدة عن مكان دراستها(ص118)، يقترحون عليها الزواج، ليتم تعيينها في مكان قريب(ص120)، فتقريب الأزواج مراعاة للحالات الإنسانية. هذه الفكرة لم تستسغها زينة. يقول الراوي:”ترددت زينة كثيرا… لم ترَ التربة جاهزة… قبِلَت عرض عبد الناصر بعقد القران شريطة أن يبقى ذلك سرا بينهما إلى أن تتضح معالم حياتهما… ألحّت على شرط إكمال بحثها واجتياز مرحلة التبريز كخطين أحمرين وعليه أن يتحمّل معها المتاعب… تصبح أستاذة بالجامعة… قَبِلَ عبد الناصر الشرط عن حب”(ص121).يستخدم الراوي التواتر التكراري،  مستفيداً من عبارة “ترددت”، والتردد لم يحصل مرة واحدة، إنّما مرارا. كأنّ زينة بعد تجربة زواجها الأولى، وبعد اغتصابها، ونتيجة ثقافتها باتت أكثر حذرا، لتقديرها عواقب الارتباط. فالارتباط المعلن قد يعني لها ضرورة الثقة بنتائجه، وهذا يقتضي تأسيسه على ركائز واضحة وسليمة كي تأتي النتائج إيجابية. ويأتي التواتر التكراري النمطي، المستمد من عبارة “ألحّت”، تلك التي تحمل معنى ترداد المسألة. والتكرار يبدي أهمية الفكرة المطروحة، وعدم قبولها المساومة عليها إطلاقا. ما ورد يزوّد القارئ بمزيد من المعلومات عن خطية الهدف التصاعدي، الذي اختارته زينة لنفسها بعدما اشترطت متابعة تحصيلها العلمي، حتّى تغدو أستاذة جامعية. والتكرار هنا يفيد أنّ زينة ترى الزواج قيداً، ومجالاً لإخفاق معرفي، ولعلّ هذا يشي أنّ زينة قلقة من ممارسات قمعية قد يمارسها الرجل الشرقي على المرأة، إذ قد يروح يضيّق عليها الخناق، ويستغلها، ويحرمها من حقوقها، ليفقدها قدرتها على الارتقاء، لذلك تروح تخفق في بناء طموحاتها. إذاً، يفيد التواتر التكراري هنا عدم قبولها بوجود من يسيّج عقلها، ويحجّمه، ويبعد من أمامه نظرته التألّقية.

وتفقد زينة سويتها، عندما تعرف أنّها رسبت في دراستها، وهي التي كانت تنتظر النجاح، والحصول على شهادة التبريز. أمّا سبب الرسوب، فهو رفضها إقامة علاقة جسدية مع أستاذ المادة. ويستخدم هذا الأستاذ مجدداً سطوته، ويرفع تقريراً يثبت سوء سلوك زينة معه(ص279). وتروح زينة بعد رسوبها تشرب الخمر، وتدخّن السجائر، ويحاول عبد الناصر مساندتها. يقول الراوي: “سعى مرّات إلى أن يخرجا معاً في نزهة… كانت ترّد عليه عروضه بكياسة”(ص282). تبدي عبارة التواتر التكراري “سعى مرّات” أنّ عبدالناصر يصّر أن يُخْرِجَ زينة من أزمتها، ويحاول مساعدتها، غير أنّها تصمّم أن يبقى بعيداً عن أفكارها الخاصة، ومخططاتها. أمّا أسباب إقصائه، فتعود لرغبة كامنة في ذاتها، لا يعرفها عبد الناصر. ونقرأ عن موضوع عشق الأستاذ لتلميذته في رواية “لا سكاكين في هذه المدينة”. إنّ جان أستاذ سوسن قد حاصرته تلميذته بجسدها المنسّق، لذلك عندما يندس في فراشه “يغمض عينيه، يتخيّلها” عارية. غير أنّ سوسن هنا تتبادل الرسائل مع أستاذها(73)، أما زينة، فهي امرأة ملتزمة بأخلاق الزوجة المحافظة، كما أنّها تلميذة جدية، تبحث فقط عن سبل تمكّنها من تحصين نفسها علمياً. يبدي ما ورد في الروايتين طبيعة العلاقات، التي يمكن أن تنشأ بين الأستاذ وتلميذته، ومثل هذا يغني السرد، ويوهم بواقعيته، كما يؤدي إلى تقدّم الأحداث، ويوضح أسباب اتخاذ زينة قرارات مفصلية في حياتها، وهي التي تقرّر التوجه إلى باريس لمتابعة دراستها، والحصول على شهادة التّبريز، وترفض ذهاب زوجها معها(ص282). وهنا قد تتجلى أيديولوجيا الأنانية لدى زينة، تلك التي تلغي من حسابها كلّ من يقف حجر عثرة أمام طموحها العلمي، من غير أن تعبأ لما يمكن أن يتركه تصرّفها من معاناة وضنك لدى الطرف الآخر. أو قد تكون زينة متصفة بأيديولوجيا الانتقام من الرجل الشرقي، الذي أباح لنفسه خيانتها، في حين أنّها لم تبادله الإساءة؛ فهي رغم حبها الجارف لنيل الشهادة، التي كان بإمكانها أن تحصّلها عن طريق بيع جسدها، غير أنّها رفضت بشدة، ولم تجعل من نفسها امرأة وضيعة.

وتتزوج زينة في باريس من إريك.ش. الفرنسي. يقول الراوي:”عاشت معه دون صداق مصادق عليه في المحاكم التونسية لأنّه لم يشهر إسلامه… هو باحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا مختص في علم الاجتماع. رجل غزير الثقافة… يساري الهوى… التقته زينة أوّل مرة مع عبد الناصر ولكنّها لم تأبه له… دعاها إلى عشاء… كان إريك من المناصرين لقضايا العرب وعلى رأسها القضية الفلسطينية.”(ص287) انجذب إليها وانجذبت إليه، “كان ذلك قبيل أيام من بداية علاقتها بالطلياني… ظلا بعد ذلك يتراسلان… عاد إلى تونس في فترة إجهاضها ولم يتمكّن من رؤيتها”(ص289). لعلّ زينة خططت لكلّ ما سيحصل، وقدّرت أنّها ستجد زوجاً جديداً تحقّق معه الجزء المتبقي من طموحاتها، بعيداً عن التوتر الذي كان يحصل بينها وبين عبدالناصر، ذلك الذي لم يكف عن خيانتها طوال مرحلة زواجهما. لقد اختارت زينة ما يريح رغباتها الذهنية، فإريك الذي يكبرها بأربعة وثلاثين عاماً(ص288) “كان يعاملها كدّرة ثمينة… يرضى الإهانة التي توجّهها له”(ص289). ونقرأ عن الزواج من أجنبي في رواية “الغريبة”، فمليكة أوفقير تتزوج من إريك المولود في ستراسبورغ، والذي يكبر في لبنان، غيرأنّها بعد زواجها منه تكون عاجزة، منهكة، وليست كزينة القوية. أمّا سبب تعبها، فتعود إلى سجنها الذي سحق قوّتها. تقول:”كنت عاجزة عن الكلام وعن توزيع انفعالاتي”(74). هل كانت زينة في زواجها هذا تسعى أن تعيش الحداثة الغربية بكلّ تفاصيلها؟ لا شك أنّ زواجها من فرنسي، هو رفض لكلّ ما في الشرق من قيود. لم نعهد زينة تكترث للأمور الدينية، أو التقاليد الاجتماعية، لذلك تزوجت فرنسيا، وقد راحت معه تسجّل أهدافاً لمصلحة آرائها.

لقد بدت زينة من خلال سرد الراوي قصّتها أحادية التوجه، صلبة، منطلقاتها واضحة، وتسعى أن تحصّل ما تريد بكلّ ما تملك من قوة. إنّها تبحث عن حريتها، وعن وجودها. هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن نفسها، وليست تابعة لأحد. يقول سارتر:”الإنسان الذي هو محكوم بأن يكون حرا… إنّه مسؤول عن العالم وعن نفسه من حيث كونه طريقة وجود… وبما أنّه هو الذي يكوّن ذاته أيضاً، مهما تعذّر احتمال الموقف بكلّ معاكسته، عليه أن يتحمّل الموقف بوعي فخور بأنّه هو مصدره… وهي تظهر على خلفية التزامي الذي هو أنا ذاتي”(75). يتوافق هذا الكلام مع طبيعة زينة القوية، والمتمرّدة، فهي لم نجدها تأسف أبداً على ما فعلت، وقد كانت دائما تختار ما تريد فعله، متحمّلة نتائج تصرّفها من غير تضجّر.

 

4_ حضور المرأة :

كيف ينظر نص “الطلياني” إلى المرأة؟ هل يقبّحها، أم يحترمها؟ هل يجدها فاعلة اجتماعيا، وسياسيا؟ هل استخدمها الرجل لإشباع شهوانيته فقط، أم أنّها حضرت روحا وعقلا، وجسداً، أي كلا متكاملا، متمّما لنصفه؟

إذا كنّا قد تعرّفنا إلى زينة في الرواية بشكل خاص، لبروز دورها في الرواية، وفاعليته، نتيجة علاقتها مع بطل السرد “الطلياني” من خلال التحليل السابق، كما مررْنا على ذكر غيرها حين احتاج توضيح الدراسة ذلك، فإنّنا الآن سنحاول أن نعرّج على صفات أخريات استفاد من حضورهن سير الأحداث، بعدما قدمّن أدواراً مختلفة، تميّز بعضها بالنبل، والنضج، والبعض الآخر بالسفالة و اللاسوية، وهذا سيجعلنا نعي موقع المرأة في النص، بعد أن فصّلنا الحديث عن نباهة زينة، وتمرّدها، وعدم مبالاتها بالآخر أحياناً.

يبيّن التحليل الوارد في العناوين السابقة، والمتحدّث أحياناً عن للاجنينة أنّها كانت فتاة لاهية، ومعابثة، تنقّل جسدها بين الرجال، سواء في بيت والدها المؤمن الإمام الشاذلي، السخي على المحتاجين(ص331)، أو في بيتها الزوجي، وبعد اقترانها بعلالة الذي اختاره والدها لها، بعد أن اكتشف سوء خلقها مع عبد الناصر. تتزوج علالة الفقير العاجز جنسياً، الذي احتضنه أبوها في إحدى غرف بيته، وعلّمه الدين. ونقرأ عن مثل هذه العلاقات اللامشروعة في رواية “شريد المنازل”، وإن كان الزوج هنا غير عاجز جنسياً. يفرغ أمين صندوق البلدية رصاصات مسدسه “في بطن ضابط الجيش بعدأن تأكّد أنّ هذا الأخير يختلي بزوجته… القليلة العقل(76). لا يراوغ أمين الصندوق في رواية “شريد المنازل”، ولا يداهن ، ويدافع عن كرامته بقتل الخائن، بينّما زوج للاجنينة، الذي يعيش من إرثها، يظلّ خانعاً، وصامتا، ولعلّ السبب الجوهري يعود إلى عجزه الجنسي.  يبدو لنا مما ورد أنّ حاجيات الجسد تقوّض العقل، وتلغي فاعليته عند بعضهم، وتتراوح ردود أفعال الزوج على إهانته بين رجل وآخر.

وتؤنّب للاجنينة علالة، وتثور في وجهه، وتصرّخ، كما تضربه(77). “أصبحت تراه شيطاناً رجيماً…حكمت عليه أن ينام في غرفته القديمة”(ص334). لقد مثلّت وجه المسلمة القبيح، والشرير(78).

أمّا نجلاء في رواية “الطلياني”، فهي امرأة مطلّقة(ص186)، تقيم علاقة صداقة مع عبد الناصر وزوجه زينة، وهذه الاخيرة لا تعرف أنّ نجلاء تمارس الجنس مع زوجها(ص195 و222 و227 و239 و247). ترفض نجلاء طلب عبد الناصر الزواج منها(ص198 و247)، مرة أولى بحجة عدم رغبتها في فقدان حرّيتها، ومرة ثانية بحجة أنّها لا تريد أن تأخذ عبد الناصر من صديقتها. إنّ نجلاء حالة خاصة، وفريدة من نوعها، تنازع صديقتها على زوجها، فيقضيان معاً أجمل أوقات، وتتركه يتمناها زوجة، وتكرّر رفضه، ثمّ تدّعي إخلاصها للزوجة. أيمكن أن يُجَزَّأ الإخلاص، وأن تُجَزَّأ الصداقة؟!

لقد تشابهت نجلاء مع للاجنينة في إثارة رغبات عبد الناصر الجسدية، وإن لم تتشابها في منزلة  قبوله الزواج منهما. وقد ظلت للاجنينة تثير عبد الناصر، ويستعيد مغرياتها أمام الراوي، حتى بعد أن فرغ من علاقاته النسائية جميعا(ص324)، كما كان يقيم مقارنة بين جاذبيتها، وجاذبية غيرها من النساء(ص312 و324).

ونقرأ عن ريم في الرواية، ويكون وجودها قليلا قياساً إلى نجلاء وللاجنينة وزينة، غير أنّ دورها تماثل أيضا مع من سبقها من ناحية إثارتها لعبد الناصر، وقد بدت معه “مستسلمة جريئة”(ص312). و مثل هذا الحضور القصير، والمثير نقرؤه في الرواية عندما يكون الطلياني مع أنجليكا السويسرية. من ذكرْنا أسماءهنّ جميعا كنّ يبحثن عن إشباع حاجاتهن الجسدية، وإن اختلفت الظروف التي جمعتهن بعبد الناصر.

وتحضر زينة في النص(ص244)، ويذكر عبد الناصر أنّها كانت زوجة مثيرة، فقد مارست الحب معه  في كافة أنحاء البيت. ومثل هذه اللهفة الجسدية تحصل مع نظام وعشيقته يسرى في رواية “شريد المنازل” لجبور الدويهي. يقول الراوي دخلت يسرى مكتبي حياة نظام و”تربّعت فيها لازما الشقة لثلاثة أيام متتالية… مارسا الجنس في كافة أنحاء البيت”(79). تقدّم الروايتان أحداثاً تتماثل مع ما يحصل في صميم الواقع، وهذا يطوّر الأحداث، ويوهم بواقعية المسرود.

يتحدّث عبد الناصرعن تفاصيل لذته الجنسية مع النساء، أو يلخّصها، ويغفل أسماء كثيرات عرفهن في الحانات. ويكثر الحديث عن إثارة المرأة للرجل في الروايات، وغالبا ما يتم تناول قبح سلوكها. وهذا نجده مثلا في رواية “غناء البطريق” لحسن داوود، الذي لم يتورع عن وضع أمّه في خانة السيئات الخلق، كما ألحق بها مثيرته البريئة، وأمّها(80).

نلاحظ  مما ورد أنّ للاجنينة ونجلاء وريم العربيات قد برزن ماكرات، وغير عابئات بعواقب أفعالهن الجنسية، وتماثلن بذلك مع انجليكا الأجنبية. هكذا يكون الراوي ألغى الفارق بين المرأتين الشرقية، والعربية. وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال الآتي: ما الذي يريد قوله النص؟ لعلّ الرواية تبغي الإفصاح عن رغبة ضمنية تتملّك بعض النساء العربيات، وهي الخروج من عقلية الشرق المحافظ، للانضمام إلى الغرب المتحرّر، والمتفلّت من قيود الدين، والمجتمع(81). ونقرأ مثل هذا التسيّب بين الجنسين في رواية “شريد المنازل” لجبور الدويهي. يعطي نظام نسخا عن مفتاح شقته إلى كثيرين، فصار يدخلها من لا يعرفهم، وفي إحدى المرات فوجىء بشاب لم يره من قبل، يطارح الغرام صديقته “على كنبة في غرفة الجلوس… لم يتوقفا… حتى بعد التفاتهما نحو نظام”(82).

ولا تحضر المرأة العفيفة في نص “الطلياني” إلا من خلال أمّ عبد الناصر الحاجة زينب، وأخته يسر الحنونة عليه، وجويدة المتعاطفة مع أمّها في ضرورة محاسبة الطلياني لقلة أخلاقه. ويضيف السرد إليهن زوجة الإمام الشاذلي، والدة للاجنينة، التي توفيت إثر ولادة ابنتها هذه مباشرة. تتغاير مواصفات مجموعة النساء الثانية هذه عن الأولى تغايرا كلّيا، فقد بَدَوْنَ  محافظات،  ومتزنات، شبيهات بكلّ امرأة مسلمة رزينة.

هكذا يكون النص قسّم وجوه الإناث إلى قسمين متعارضين، هما:

1_ نساء متحرّرات من كلّ قيد، يفتّشن عن مصالحهن، وما يسرُّ شهواتهن.

2_ نساء محتشمات، ملتزمات بقيود محيطهن(83).

وهنا قد يتبادر إلى الذهن السؤال الآتي: أيمكن أن تكون شخصيتا زينة ونجلاء في المجموعة الأولى تلتقي مع سياسة تونس؟

لعلّ خداع نجلاء لزينة صديقتها يرمز إلى طبيعة المكر والدهاء الممارسين من قبل السلطة التونسية(84). فإذا كانت الصداقة تعني فيما تعنيه الأمان والصدق والحماية، وقد تنكرت بقناعها نجلاء أمام زينة، فإنّ الدولة يجب أن تكون الراعية لشعبها والمؤتمنة على مصالحه، وهذا ما لم تزاوله بشكل صحيح في العهدين المتتاليين، زمن حكم بورقيبة، وزمن حكم بن علي. ولأنّ الطلياني، المؤسسة قناعاته الضمنية على المبادئ الماركسية يرفض الحكم سرا، لذلك يروح يقارب بين سلطة زين العابدين وتصرّف زينة السيئ تجاهه. فيقول: “زينة بدت، بعد أسابيع، أشبه ما تكون بزين العابدين مع حفظ الفوارق في مجالات العمل وطبيعة الاهتمامات وأساليب التحرّك”(ص254). نفهم مما ورد أنّ تحوّل زينة مع عبد الناصر كان الأشد إيلاما، فقد أصابته في الصميم، وأهلكت فيه إحساس الأمان، الذي يجب أن توفره المرأة لشريكها الزوجي، فكانت بعدم وفائها شبيهة بزين العابدين بن علي، الذي لم يكن وفيا لتونس، وشعبها . يعري النص النفسيات ويبرز زيفها على الصعيدين السياسي، والاجتماعي.

وقد يحوي حضور المرأة في النص رموزا في أكثر من موقع، نذكر منها أمية نجلاء في السياسة(ص283). هذا الموضوع كان يضايق عبد الناصر، غير أنّ نطق عبد الناصر بلسان العهدين المتتاليين، ورميه جانبا قناعاته، واتحاده مع الجهل(85)، وتعريه من المصداقية الذاتية، كذلك تنافيه مع الأفكار التي كان يناشد بها حين كان جامعيا، والتي لا زالت تسكنه،  قد يدفعنا إلى استنكار تلك المسافة الفاصله بينه وبين نجلاء الأمية، لذلك يتساءل أيهما كان دوره أفضل في الوطن؟ أحسب أنّ حيادية نجلاء الجاهلة أمور السياسة أفضل بكثير من دور عبد الناصر، وصديقه سي عبد الحميد، اللذين يكتبان ما يخالف قناعتهما، فيزيّفان الحقائق ويوهمان المجتمع المثقف بآرائهما الكاذبة. يدل هذا دلالة ساطعة إلى أنّ تفاوت الوعي لم يعد كفيلا في معالجة الأمور بشكل سليم، بل سيؤدي إلى عطب العقليات في المجتمع.  فوعي المثقفين السياسيين، قد بات سبيلا لتقهقر الأفكار وتشرّدها، لا سبيلا لنشر الحقيقة(86).

خاتمة:

يلفتنا سرد الرواية المتمكّن، والأحداث المتماسكة الغزيرة، المتدفقة المعلومات في كلّ صفحة، وكلّ فقرة من فقرات النص، الأمر الذي يجعل كلّ سطر من سطورها يحوي إضافة.

وتكمن القيمة الإبداعية الباذخة في تناول الراوي أدق الأحاسيس، والمعلومات بطريقة مسوّغة لا يعتورها نقص، أو عيب بعدما اتخذ صفة تناسب موقعه الروائي، فهو يشارك في أحداث رواية “الطلياني”، متخذا صفة الراوي>الشخصية، فيخمّن أحداثا لا يتيح له موقعه معرفتها. ويعطي الراوي للشخصية البطلة  الطلياني الدور الأساس، لذلك لا يحضر ليقدّم رؤيته، او ليتحدّث عن نفسه إلا قليلا، ويعيد الراوي أسباب غيابه عن السرد إلى رغبته في الصمت، وميله إلى الملاحظة. وهو يعرف ما تفكّر به الشخصية من جراء علاقته الوطيدة بها، كما ينقل ما يعتريها من مشاعر، ويتناول طريقة تعاطيها، كذلك واقعها الاجتماعي، وقد يستنتج ويفسّر.

وينتقل الطلياني إلى غرفة أخيه صلاح الدين بعد سفر هذا الأخير إلى سويسرا، وفي تلك الغرفة يتعرف إلى سحر جسده الملتقي مع جسد للاجنينة، وحينها تتبدى مشاعره من منظوره السيكولوجي الذاتي. ويستخدم المنظور نفسه، حين يقدّم الراوي بطل الرواية الطلياني، وهو غير ممتثل لوالده، الذي يريد تزويجه من للاجنينة. ويعيد الطلياني أسباب انتصاره على فكرة الزواج هذه إلى صلابته، وازدواجيته. يرى أنّ ما أنقذه من ذلك الزواج هو شخص آخر بداخله، لا ضمير له، هو شخص من عقل خالص(ص20). ويكشف هذا الكلام عن أيديولوجيا النفاق لدى بعض الرجال العرب، وزيف أخلاقهم،  كذلك استهتارهم بشؤون المرأة، وانعدام تمدّنهم، لتبقى تعاليم الماركسية، التي يدّعيها عبد الناصر جوفاء المضامين، والتطبيق.

ويتحدّث النص عن أيديولوجيا تعنيف المرأة، لحَدّ طموحاتها، وإنهاء قوّتها، وإرغامها على الصمت والخنوع للرجل. تتعرّض زينة لهجوم الماركسيين في الجامعة، فندرك حينها أنّ حداثة الماركسي العربي ظالمة، وغير تنويرية.

ويتبدى عنف الوضع السياسي في البلاد، واضطراب الأمن في الجامعة، حين تنشأ الخلافات بين الفئات المثقفة المتعارضة الرأي. وقد قُدِّم ذلك من خلال الخطاب المعروض المباشر، الحاصل بين المحامي والطلياني. كما يتجلى العنف الأمني من الاعتقالات، التي تطال الشباب الجامعي، وذلك حين يُعْتَقَل الطلياني وزينة، لاتهامهما بانتمائهما إلى المجموعات الإسلامية الإرهابية، المعادية للنظام، ويبرز في أثناء ذلك أيديولوجيا القمع والاعتقالات التعسفية، وسياسة السلطات العربية الاستخباراتية المهيمنة، المحاولة كم أفواه المثقفين. يتحدّث الروائي المصري محمد ربيع في حوار أجري معه عن روايته “عطارد” عن الوضع السياسي الكابوسي في الوطن العربي، ويرى أنّ الحكّام قد يتهمونك بالخيانة والعمالة والتواطؤ مع العدو إن لم تؤيّد تجاوزاتهم المتخفية وراء قناع الخير. ويجد أنّ الجحيم الذي في الرواية ما هو إلا تجسيد لشر نعيشه(87). يتلاقى نص”الطلياني” بوجه، أو بآخر مع ما اورده محمد ربيع، فهو يقدّم  شجن وتمزق الشعب التونسي، لا سيّما النخبة من مثقفيه الجامعيين، الذين يتمرّدون على الحكم، لكنّهم يعجزون أمامه، فيحطّم طموحاتهم، لذلك بدت مضامين “الطلياني” عميقة المعنى، بعيدة المرامي. ونجد ما يقارب هذا الواقع العربي الرديء في رواية”فرانكشتاين في بغداد” لأحمد سعداوي. ففي هذه الرواية يبيّن السعداوي تفاهة الشعب العراقي بكلّ ما يحتويه من مثقفين، وبسطاء، وحكّام، الأمر الذي يؤدي إلى دمار البلاد، والعباد(88).

وتكمن قيمة نص “الطلياني” في جرأته المتلمسة قضايا مؤلمة من واقع تونس السياسي، الذي انطلقت منه ثورة الربيع العربي، تلك التي امتدت خطوط شعاعها لتطال بلداناً عربية، وكان الشعار الحصول على الحرية والعدل والاستقرار. وقد شملت الانتفاضات العراق ومصر وليبيا وسوريا واليمن. ويرى فريد الخازن أنّ “حالات الاعتراض اختلفت بين دول الربيع العربي،… أمّا الدول التي لم تشهد “ربيعا” ف…اتخذت التدابير… في مصر جاءت شرارة الانطلاق من تونس”(89). وتلتقي رواية “الطلياني” مع كثير من الروايات العربية الحديثة، الباحثة عن هوية الأنا والآخر في الوطن. ورد في رواية “أرض وسماء” لسحر خليفة:”أنا والنكبة في بلدي، والحب اليائس في قلبي، يحفر أعماقي، يذكّرني أني بلا وطن ولا هوية، صرنا المنفى”(90).

كأنّ نص “الطلياني” يودّ الإشارة إلى استسلام المقاومين العرب، وتآمرهم على مبادئهم، التي على ما يبدو ليست راسخة في ذواتهم، وإلا لما تنازلوا عنها. يُساق المثقف الطلياني، كغيره من المفكّرين إلى العدو، ينصاعون لأوامره واعين، غير أنّهم مرغمون، فتبيت مواقفهم غوغائية. يتحوّل الفرد، أو المجموعة عن مفاهيمهم، ولو بشكل ظاهري، كي لا يزهقوا أرواحهم، أو يبيتوا لقمة سائغة لمعارضهم. ونستشف من السرد، ومن خلال الخطاب المباشر الملحق بالسرد أيديولوجيا القمع الممارسة من قبل السلطة على الصحف التونسية، تلك التي تؤثر سلباً على الطلياني الكاتب، الأمر الذي يجلو بدوره المنظور السيكولوجي الذاتي، لدى بطل السرد المتضجّر من الحاصل. إذاً يكشف نص “الطلياني” عن خواء النظام التونسي، وخلله، بعدما بات مروّج العيب، والهاتف باسمه هم النخبة المثقفة، التي تسعى لتجهيل الرأي العام.

وتبدي الأيديولوجيات المتعارضة في نص “الطلياني” جور الأنظمة العربية، ففي تونس “آلة عمياء لسحق الذكاء”. ونقرأ عن مثل هذا الواقع في روايات عربية أخرى مثل “إنه الدم” لنوال السعداوي، و”لا سكاكين في هذه المدينة” لخالد خليفة، وغيرهما كثير من المؤلفات المعاصرة لرواية “الطلياني”.

ويتزوج الطلياني زينة، التي تعطي جل وقتها للدراسة، الأمر الذي يجعله يخونها مع أنجليكا، غير أنّه حين يدخل غرفة زينة يتبدى لنا منظوره السيكولوجي الذاتي، بعدما يخجل من نقاء زينة زوجه، وملائكيتها. ولأنّ الطلياني لم يكبح شهوانيته، ولم يحجّمها، ظهر غير آبه لأيديولوجيا الأخلاق الدينية، أو التقاليد الاجتماعية المحافظة.

وتبرز مجدداً لا أخلاقية الطلياني، حين يتآمرعلى زينة مجدداً مع نجلاء صديقتها، فيقيم علاقة سرية معها، الأمر الذي يظهر ذكوريته الشرقية السيئة، التي ترضى لنفسها، ما لا ترضاه لشريكها. ويرفع الغطاء النص عن أعمق الأحاسيس التي راودت الطلياني، وهو مختلياً مع نجلاء، ويستفيد السرد بشكل رئيسي في أثناء ذلك من المنظور السيكولوجي الذاتي.

ويسترجع الطلياني إثارة للاجنينة له، وهو مع زينة، وهذا يعيدنا بدوره إلى الحيوانية التي تحدث عنها فرويد.

ويتحوّل الطلياني مجدداً، فيروح يكثر من علاقاته مع نساء الحانات، ثمّ تعرف حياته منعطفاً حاداً مؤلما حين تقرّر زينة طلاقهما، وسفرها وحيدة إلى باريس لمتابعة تحصيلها العلمي.

ويتعرف بعدها إلى ريم، وحين يختلي بها، وتدير له ظهرها كي تحافظ على عذريتها، يسترجع جرحا لم تضمده السنون. يتذكر محاولة اعتداء علالة الدرويش عليه، ويستفيد السرد حينها من المنظور السيكولوجي الذاتي، وهذا يساعد على الغوص في عمق المأساة، التي ما زالت مفاعيلها تستعر في الرجل الثلاثيني.

وشخصية عبدالناصر نموذج للشخصية الماركسية الداعية للتحرّر من القيود السلطوية، المحرَّكَة من خلال مرجعية تراعي مصالح الغرب، وتهادن العدو، فتؤذي الوطن. غير أنّ عبد الناصر ينقاد رغماً عنه لهذا المخرِّب، ويبيت الناطق باسمه. وهنا تتخفى رسالة النص فنتساءل: هل النص رثاء للوطن، والوطنية؟! وهل يُعَدُّ ساسة البلاد شياطينها؟! لا شك أنّ نص “الطلياني” استفاد من المرجعية السياسية الواقعية، ودمجها بأحداث خيالية، ليقدّم ضلال أبناء الوطن، خصوصا مثقفيه.

أمّا بالنسبة لزينة الفقيرة المتفوّقة، فقد مثّلت وجه المرأة القادرة المقتدرة، المتحرّرة من قيود مجتمعها، فلم نجدها مسكينة إلا لوقت قصير جدا، وقد تجلى ضعفها من خلال المنظور السيكولوجي الذاتي. أمّا قوّتها، فقد أوضحت أيديولوجيا الانتقام لديها، تلك التي لا تعرف الخنوع للذكورة مطلقا.

وتسيطر أيديولوجيا المعرفة على زينة، لذلك تجدها تنهل مضامين المؤلفات، وتجدّ لتحصيل الشهادات. وتبحث زينة عن حريتها، ويظهر ذلك من خلال التواتر التكراري، وهي التي ما فتئت تردّد بعد وفاة أمّها، أنّها أضحت “أم نفسها”.

وقد حَضََرت المرأة في الرواية بوجهين متغايرين، أحدهما سلبي، وثانيهما إيجابي. وإذا أجرينا مقارنة بين الفئتين وجدنا أنّ الفئة السيئة هي المهيمنة، لسعيها وراء مصلحتها، فقد بدت النساء راغبات في إشباع حاجاتهن الجسدية، كما ظهرن غالبا  غير مثقفات، ومتعلمات.

ويولى نص “الطلياني” الدور الرئيسي لرؤى أديولوجيتها ماركسية، في حين أنّ الأدوار الثانوية خصِّصَت للأصوات الأخرى، المتنوّعة المفاهيم، تلك التي أُدرِج صوتها في النص، فبدا خافتا، قياسا إلى صخب الآخر، في زمن تونسي تاريخي عصيب.

وقد بدا واضحاً أنّ النص لم يجد أنّ المفاهيم الماركسية قابلة للتطبيق في المجتمع العربي. كما أنّ متبعي هذا الفكر يعيشون حرية مغلوطة في نواح كثيرة، وأساسية، غير أنّ ذلك لم يعن أنّ المضمون النصي يبجّل الفكر المناقض، فقد تجلّى المسلم في حكمي بورقيبة وزين العابدين بن علي مخرباً، ومدمّرا(91)، هذا إذا استثنينا حديث الراوي الموجز عن طهارة أسرة الطلياني المسلمة، كذلك جارهم المسلم الإمام الشاذلي. يعيد ناظم ابراهيم أسباب خيبة الثورة إلى صعود الإسلام السياسي للحكم في تونس ومصر، ويرى أنّ هذا الصعود “حوّل مسار الانتفاضات الشعبية من مسار ثوري إلى منزلق هوويّ ديني… ولئن تمّ “إسقاط” قوى الإخوان في كل من مصر وتونس… فإنّ ذلك لا يعني انتهاء الإسلام السياسي”، ويرى إمكانية صعود تعبيرات إسلامية في بقية الأقطار العربية، ما يستوجب ضرورة دراسة… الإسلام السياسي… وفهم خطابه وتناقضاته الداخلية في المستوى العقائدي”(92). إن صح ربط ما ورد هنا مع وقائع وردت في رواية “الطلياني” في أثناء حديثه عن تفجيرات من قبل متطرفين إسلاميين، بغض النظر عن حقيقة حصولها على أرض الواقع، أمكننا أن نعي أنّ الراوي منح نصه “الطلياني” بعداً إيهاميا، لربطه بين الخيال والواقع.

هوامش البحث:

1_علي نسر، الرواية العربية والخيال العلمي، السفير، 18_1_2016.

2_محمد الشيوخ، أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي، ميدل إيست أونلاين، 3-1-2013.

3_ ” مسافة تفصل بين الروائي والراوي..الرواي قناع من الأقنعة العديدة التي يتستر وراءها الروائي لتقديم عمله”.

سيزا قاسم، بناء الرواية، بيروت، دار التنوير، ط1، 1985، ص 180. ولمزيد من المعلومات راجع:

Wolfgang, kayser, qui raconte le roman, in poétique du récit, Paris, éd du seuil, 1977, p71.

4_ التواتر التكراري النمطي عبارة عن خطاب يحكي أحداثاً عديدة لمرة واحدة، وتكون هذه الأحداث متشابهة.

G.Genette. figures III,paris, Seuil, 1972, p145.

وتزفيتان تودوروف، الشعرية، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، الدار البيضاء، توبقال، ط2، 1990، ص49. وسعيد يقطين، تحليل الخطاب الرّوائي، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 1992 ص78.

5_ Wolfgang, kayser, qui raconte le roman, in poétique du récit, p.62_70.

وسعيد يقطين، م.ن، ص291. ويمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، بيروت، دار الفارابي، ط1، 1990، ص120.

6_جمال عبد الناصر القريب من الإيطاليين، أضاف إلى اسمه لقبا جديداً هو “الطلياني”.

شكري المبخوت،الطلياني، تونس، التنوير، ط7، 2015، ص24.

6_Boris Uspenki, A poetics of composition , the structure of Artistic text and typology of a composional from, trans. Valentina Zavarin and susan Witig, Berkeley .  University of California Press, 1973.P 81.

وسعيد يقطين، م.س، ص295.

8_ يقسّم المكان إلى طبقات “وفق مبدأ تراتبي ومشكوك في مراميه”.

حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 1990 ص41.

9_Op , cit, p 81.

10_ سلسلة رجل للاجنينة كانت تزيد الطلياني إثارة.

م.ن، ص324.

11_”قل للمؤمنين يغُضُّوا من أبصارِهم ويحفَظوا فُروجَهم ذلك أزكَى لهم، وقل للمؤمناتِ يغضُضْنَ من أبصارهِنَّ ويحفَظْنَ فروجَهنَّ”.

سورة النور، آية 31.

12_ لقد نصح الإسلام الأبوين بتزويج الولد والبنت متى بلغا. قال تعالى: “وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم…”.

سورة النور، آية 32.

13_سورة الضحى، آية 9.

14_ متفق عليه من حديث ابن مسعود.

جمال عبد الرحمن اسماعيل، ولا تقربوا الفواحش، السعودية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ط2، 1424 ه، ص133.

15_ محسن الرملي، حدائق الرئيس، ص143 و144.

16_ محمد رضا فضل الله، مع الإمام علي بن أبي طالب في صفات المتقين، بيروت، المركز الإسلامي الثقافي، ص39.

17__  معاذ عابد، حركة اليسار الاجتماعي الأردني، الشيوعية الأخلاقية والمساواة المبتذلة، الزاوية الثقافية والفكرية، 22ت1، 2014.

18 و19_  جبور الدويهي، شريد المنازل، بيروت، دار الساقي، ط 3، 2015، ص150 و151.

20_  محمد الأشعري، القوس والفراشة، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط2، 2011، ص11 و18.

21_  يقول الراوي أنّ أستاذ فتحي كان يمدّ عبد الناصر بالكتب، وبعدها سُجن، وذلك “بعد أحداث 26 جانفي 1978، فيما كان يسمى جريدة الشعب السرية الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل في السرية”.

شكري المبخوت، م.س، ص42.

22_  ميراي أبو حمدان، المرأة في مواجهة العنف، المنافذ الثقافية، ع13، شتاء 2016، ص124.

23 _نستفيد هنا من قراءة الباحثة ميك بال حول “السرد والتبئير”، وبها قدّمت قراءة دقيقة لمشروع جيرار جينيت السردي، فتناولت الخطاب المعروض (المباشر)، حيث يتم الاستشهاد الحرفي بالأقوال، وهو يخلق لدينا وهم المحاكاة.

سعيد يقطين، م.س ، ص188.

24_  مليكة أوفقير، الغريبة، ترجمة حسين عمر، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط3، 2012،ص8.

25_  يقول أنّه يحتاج إلى الذكاء، وهو يفتّش “بين كلامها عمّا تقصده من كلامها ولا تقصده”، وعليه أن يتمعّن “في كلّ كلمة تقولها”.

حسن داوود، نقّل فؤادك، بيروت، دار الساقي، ط2 ، 2015،ص103.

26  و27_ نوال السعداوي، إنّه الدم، مصر، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 2014، ص7 و9 و10 و14.

28_ يقول الضابط لعبد الناصر:”أردت أن أحذرك من الطلبة الذين انشقّوا عنكم. إنّهم يريدون إيذاءك أنت وزينة.

شكري المبخوت، م.س، ص98.

29_ أكثر من مرة يستجوب سي عثمان عبد الناصر.

م.ن، ص96  و97 و98.

30 و31_  محمد الشيوخ، أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي ، 3-1-2013.

32_مليكة أوفقير، م.س، ص 18 .

33_  ويؤدي إلى إشباع الحاجة والتخفيف من الدافع عن طريق النشاط الاستهلاكي Consummatory activity”.

سعد جلال، المرجع في علم النفس، مصر، دار المعارف بمصر، ص301.

34_ كامل محمد عويضة، كارل ماركس، الماركسية والإسلام، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1993، ص126.

35_ هيغل، المدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط1، 1978، ص50.

36_الماركسيون لا يؤيّدون نظام بورقيبة.

شكري المبخوت، م.س، ص 29 و30.

37_  أوتو كلينبرغ، علم النفس الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، بيروت، دار مكتبة الحياة، ط2، 1967، ص391.

38_ مصطفى فهمي، مجالات علم النفس، مصر، مكتبة مصر، مج 1، ص32.

39_ سيرجيون انجلش وجيرالد بيرسون، مشكلات الحياة الانفعالية من المراهقة إلى النضج، ترجمة فاروق عبد القادر، وقدري محمود حفني وفرج أحمد فرج ومحمد وهبة، القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر، د.ت، ص78.

40_ م. ن ، ص65.

41_  سلوى البنا، عشاق نجمة، بيروت، دار الآداب، ط1، 2015، ص52 و48 و90.

42_ سحر خليفة، أرض وسماء، بيروت، دار الآداب، ط1، 2013، ص38.

43_ يتطابق في المشهد(Scène) المقطع النصي الحواري مع وقائعه المرجعية، وقد تفوق مساحة النص سرعة الحدث.

G.Genette. figures III, , p140.

44_ فرويد، سيغموند، النفسانية الجموعية وتحليل الأنا، ترجمة فرنسية، باريس بايو، 1962، ص176.

45_ يقول الراوي:”استفاق وقد ظهرت له زينة بوجه باك. لم يفهم أهو إحساس بالندم…؟ ما الذي أحضرها لتنكّد عليه سهرته”.

شكري المبخوت، م.س، ص227.

46_ مصطفى فهمي، م.س، ص31.

47_ خالد خليفة،لا سكاكين في هذه المدينة، بيروت، دار الآداب، ط1، 2013،ص96 و97.

48_ وهو يردّد أغنية في البيت وفي الجامع، لكن بصوت غير مسموع، وهذا طبعا يتنافى مع مواصفات رجل الدين.

حسن داوود، لا طريق إلى الجنة، بيروت، دار الساقي، 2013، ص11و 90 و124و257.

49_ الطلياني يعارض الفكر الإيراني.

شكري المبخوت، م.س، ص125.

50_ “يعتقد نديم البيطار أنّ العالم العربي لم يعرف أي انقلاب منذ ظهور الإسلام إلى اليوم أنّ الحال التي يعيش عليها الآن هي حالة انتقال تستلزم، لكي تصيح ثورية بالفعل، أيديولوجية انقلابية تحل محل الأديولوجية التقليدية”.

عبدالله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط7، 2003، ص117.

51_ما تورده زينة في خطبها عن  اليسار  يتوافق مع ما أوردته دراسات. هي تتهم اليسار “بغياب العمق الفكري والاكتفاء بقوالب جاهزة حول نمط الإنتاج في المجتمع والتناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية والتعويل على تحليلات لينين وماوتسي تونغ حول الواقعين الروسي والصيني وإسقاطها على الواقع التونسي…”.

شكري المبخوت، م.س، ص55.

52_ أوتو كلينبرغ، م.س، ص143.

53_محمد الشيوخ، أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي، 3-1-2013.

54_ نوال السعداوي، م.س، ص14.

وتقول السعداوي عن التظاهرات: “رأت سعدية التظاهرات في الشوارع، شباب من الطلبة والعمال، والطالبات والعاملات.

م.ن،ص108.
55_جبور الدويهي، م.س، ص124.

56_ نوال السعداوي، م.س، ص45.

57_خالد خليفة،م.س ، ص71.

58_والمخبرون حسب رأي الأم في رواية “لاسكاكين في هذه المدينة” قد “سكنوا أوراق الشجر.

م.ن، ص154.

 

59 و60_ جنى فوّاز الحسن، طابق 99، الجزائر، منشورات الاختلاف، ط1، 2014،ص86 و87.

61_”أمّا إذا أطاع لرغبته في الطاعة ولأنّه قد وحّد بين إرادته وإرادة الدولة عن اقتناع بأنّ ما تريده الدولة هو ما يرغب فيه أيضاً حينئذ يكون حراً على الحقيقة”.

كامل محمد عويضة، هيجل، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1993، ص79.

62_خالد خليفة،م.س ، ص117.

63_ عربي صدقي، تونس: ثورة المواطنة..”ثورة بلا رأس”، المركز العربي للدراسات والنشر، 25 يوليو 2011.

64_ ويتساءل العلواني بعد حديثه عن انتفاضات الطبقة المهمّشة المطالبة بالخبز والعدالة:”على ماذا تقوم الهوية العربية… إلى أين يذهب الشرق؟ إلى الديمقراطية أم إلى الهاوية؟”.

جعفر العلواني، إلى أين تبحرين يا سفينة الشرق، السفير، 5_2_2016.

65_ ميشال بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، بيروت، عويدات، ط1، 1982، ص53.

66_ زينة تحرّض ضد اليسار و المسلمين .

شكري المبخوت، م.س، ص58.

67_ وتتابع نجلاء محدّثة عبد الناصر عن تخلّف نظرة الرجل إلى المرأة في تونس، وتقول:”أنت لا تشعر بالعنف القبيح بواسطة العين واللسان، عنف مدمّر لنا نحن النساء”.

م.ن، ص190.

68_ جبور الدويهي، م.س، ص159.

69_ G.Genette. figures III, p 145.

ولمزيد من المعلومات راجع: تودوروف، الشعرية، ص49.

70_  حسني عايش، دراسات عربية،  بيروت، دار الطليعة، ع 3و4، شباط، 1997، ص87.

71_ وقف غاضبا وصرخ “الطلاق أو الإجهاض.. اختاري”.

سلوى البنا، م.س ، ص64.

72_ محمد كامل عويضة، فردريك نيتشه نبي فلسفة القوة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1993، ص81.

73_  خالد خليفة، م.س ،ص51.

74_ مليكة أوفقير، م.س، ص54.

75_جان بول سارتر، الكينونة والعدم، ترجمة نقولا متيني، ط1، بيروت، مركز الوحدة العربية، 2009، ص697.

76_جبور الدويهي، م.س، ص12.

77_ يصمت علالة العاجز جنسيا عن الإهانات الموجّهة إليه، أمّا الواوي في رواية “عشاق نجمة”، فنجده هائجاً حين يشكّك من يشاركه السجن برجولته في الزنزانة، وتكون النتيجة:”رغبة عارمة تجتاحه كل ليلة، يستحضرهم جميعا ويفرغ فيهم مخزون رجولته المهدورة حتى آخر قطرة، ويمتطي أجسادهم بانتشاء.

سلوى البنا، م.س، ص68.

78_ فهي “كانت تجاهر في الإفطار برمضان”. وهي لم تكمل تعليمها، وتوقفت عن التدريس في صف الخامس ابتدائي عن الدراسة، ومع أنّها ابنة شيخ، وترتدي الحجاب، غير أنّها لا تؤدي واجباتها الدينية(ص9)، وتستمر في الاستماع إلى الأغاني ليل نهار “منذ أن تفتتح الإذاعة الإرسال إلى أن يتوقّف”.

شكري المبخوت، م.س، ص342و335.

79_جبور الدويهي، م.س، ص119.

80_ حسن داوود، غناء البطريق، بيروت، دار النهار، 1998، ص203.

81_ تروح نجلاء تقيم علاقات مع رجال كثيرين بعد أن تركت عبد الناصر، لذلك يضمّها إلى مجموعة خيباته مع النساء.

82_ جبور الدويهي، م.س،ص125.

83_ مليكة في رواية الغريبة تقول أنّها كانت في الأربعينن وكانت تحرم نفسها اللذة بالإثم.

مليكة أوفقير، م.س، ص53.

84_ سلطة تونس تراعي المصالح الغربية لا مصالح شعبها، ويرضى الحكم المأمور بأمرة الأقوى كي يحافظ على موقعه.يتهم عبد الناصر بن علي بأنّه عميل أميركي، وسيحمي مصالح عالمية.

شكري المبخوت، م.س، 254.

85_بن علي يعيد الاعتبار للدين الإسلامي، ويفرج عن المساجين المسلمين. وسي عبد الحميد، الذي يكره الاتجاه الإسلامي يمدح التغيير السياسي بوجود بن علي. وكان سي عبد الحميد يقول لعبد الناصر “أنّ بورقيبة ترك إدارة قوية… لولاها… لسقطت البلاد في أيدي… مغامر مغرور مثل الإسلاميين… كان سي عبد الحميد في سرّه… غير مقتنع ببن علي”.

م.ن، ص250 و251 و253.

86_ عبد الحميد يمدح في مقالة بن علي صانع التغيير، وناصر يسخر سرا، ويعترف عبد الحميد أنّ الوضع خطر وسيتم الترحم على بورقيبة، لذلك “يقترح على عبد الناصر أن يبحث لنفسه عن مخرج من هذا الوضع لأنّه يراه سيغرق في الوحل”.

م.ن،ص272.

87_ محمد شعبر، الثورة تبدو منطقية إذا حدثت في الجحيم، السفير، 5_2_2016.

88__ أحمد السعداوي، فرانكشتاين في بغداد، بيروت، دار الجمل، ط4، 2014، ص218.

89_ فريد الخازن، الربيع العربي الديمقراطية وعصبيات الطغيان، السفير، 30_1_2016.

90_سحر خليفة، م.س، ص53.

91_ يقول الراوي عن المسلمين أنّهم كانوا في زمن بورقيبة “يقلقون الأمن”(ص77)، ويتحدّث عن المجتمع المسلم المهدّد لبورقيبة، والمردّد: “لا إله إلا الله بورقيبة عدو الله”.

ويُتَهَم ابن شخصية سياسية بتمويل تنظيم إسلامي، يقوم بتفجير أماكن في سوسة، ومنستير، والأب لا يعلم بما فعله ابنه، أو يتستر عليه. ورد في السرد: “عاطفة الأبوة غلبت منطق الدولة… هذه المعطيات إذا صحّت فتعني أنّ النظام في حد ذاته غير متماسك وبدأت تنخره سوسة الإسلاميين من الداخل”.

شكري المبخوت، م.س، ص 117 و204 .

92_ ناظم ابراهيم، الانتفاضات المغدورة ومشانق الحياة، السفير، 5_2_2016.

المصادر والمراجع

أولا: المصدر:

1_ المبخوت، شكري، الطلياني، تونس، التنوير، ط7، 2015.

 

ثانيا:المراجع:

2_القرآن الكريم

3_اسماعيل، جمال عبد الرحمن، ولا تقربوا الفواحش، السعودية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ط2، 1424 .

4_الأشعري، محمد، القوس والفراشة، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط2، 2011.

5_أوفقير، مليكة،  الغريبة، ترجمة حسين عمر، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط3، 2012

6_بحراوي،  حسن، بنية الشكل الروائي، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 1990.

7_ البنا، سلوى،عشاق نجمة، بيروت، دار الآداب، ط1، 2015 .

8_الحسن، جنى فوّاز، طابق 99، الجزائر، منشورات الاختلاف، ط1، 2014.

9_خليفة، خالد، لا سكاكين في هذه المدينة، بيروت، دار الآداب، ط1، 2013.

10_خليفة، سحر، أرض وسماء، بيروت، دار الآداب، ط1، 2013.

11_حيدر، لميس، تشكّل العالم الروائي عند حسن داوود حتى العام 2000، رسالة أعدَت لنيل شهادة الدكتوراه.

12_داوود، حسن، غناء البطريق، بيروت، دار النهار، 1998، ص203.

13_داوود، حسن، لا طريق إلى الجنة،بيروت، دار الساقي، 2013.

14_داوود، حسن، نقّل فؤادك، بيروت، دار الساقي، ط2 ، 2015.

15_الدويهي، جبور، شريد المنازل، بيروت، دار الساقي، ط 3، 2015.

16_الرملي، محسن، حدائق الرئيس، بيروت، الثقافة والنشر، ط1، 2012.

17_ سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت، دار الجمل، ط4، 2014.

18_ السعداوي، نوال، إنّه الدم، مصر، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، 2014.

19_الشيوخ، محمد، أسباب اندلاع ثورات الربيع العربي، ميدل إيست أونلاين، 3-1-2013.

20_عايش، حسني، دراسات عربية،  بيروت، دار الطليعة، ع 3و4، شباط، 1997.

21_العروي، عبدالله، مفهوم الإيديولوجيا، بيروت، المركز الثقافي العربي،2003.

22_عويضة، كامل محمد، كارل ماركس، الماركسية والإسلام، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1993.

23_عويضة، محمد كامل، فردريك نيتشه نبي فلسفة القوة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1993.

24_عويضة، كامل محمد، هيجل، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1،1993.

25_العيد ،يمنى، تقنيات السرد الروائي، بيروت، دار الفارابي، ط1، 1990.

26_فضل الله، محمد رضا، مع الإمام علي بن أبي طالب في صفات المتقين، بيروت، المركز الإسلامي الثقافي.

27_فهمي، مصطفى، مجالات علم النفس، مصر، مكتبة مصر، مج 1.

28_يقطين، سعيد، تحليل الخطاب الرّوائي، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 1992

 

ثالثا: المراجع المترجمة:

29_بوتور، ميشال،بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، بيروت، عويدات، ط1، 1982.

30_تودوروف، تزفيتان،الشعرية، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، الدار البيضاء، توبقال، ط2، 1990.

31_سارتر، جان بول، الكينونة والعدم، ترجمة نقولا متيني، ط1، بيروت، مركز الوحدة العربية، 2009.

32_فرويد، سيغموند، النفسانية الجموعية وتحليل الأنا، ترجمة فرنسية، باريس بايو، 1962.

33_ كلينبرغ، أوتو، علم النفس الاجتماعي، ترجمة حافظ الجمالي، بيروت، دار مكتبة الحياة، ط2، 1967.

34_هيغل، المدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط1، 1978.

 

رابعاً: الدوريات العربية:

35_ أبو حمدان، ميراي، المرأة في مواجهة العنف، المنافذ الثقافية، ع13، شتاء 2016، ص124.

36_بن ابراهيم، ناظم، الانتفاضات المغدورة ومشانق الحياة، السفير، 5_2_2016.

37_الخازن، فريد، الربيع العربي الديمقراطية وعصبيلت الطغيان، السفير، 30_1_2016.

38_شعير، محمد، الثورة تبدو منطقية إذا حدثت في الجحيم، السفير، 5_2_2016.

39_صدقي، عربي، تونس: ثورة المواطنة..”ثورة بلا رأس”، المركز العربي للدراسات والنشر، 25 يوليو 2011.

40_عابد، معاذ، حركة اليسار الاجتماعي الأردني، الشيوعية الأخلاقية والمساواة المبتذلة، الزاوية الثقافية والفكرية، 22ت1، 2014.

41_العلواني، جعفر، إلى أين تبحرين يا سفينة الشرق، السفير، 5_2_2016.

42_ نسر، علي، الرواية العربية والخيال العلمي، السفير، 18_1_2016.

 

خامساً: المراجع الأجنبية:

43_Genette. Gérard,  figures III ,paris, Seuil, 1972.

44__ kayser, Wolfgang,  qui raconte le roman, in poétique du récit, Paris, éd du seuil, 1977.

45_Uspenki, Boris, A poetics of composition , the structure of Artistic text and typology of a composional from, trans. Valentina Zavarin and susan Witig, Berkeley .  University of California Press, 1973.

 

                                      الفهرست

الموضوع                                                              الصفحة

_التقديم………………………………………………………..    1

_ المنظور الروائي، الراوي موقعه وعلاقاته………………      3

_ الطلياني اليساري المزدوج والمنهزم…………………….      9

_ زينة المتفوّقة والمتمرّدة………………………………….     36   

_حضور المرأة………………………………………………     47

_الخاتمة……………………………………………………..    51

د. لميس حيدر:
_ دكتوراه في اللغة العربية وآدابها؛ عنوان الأطروحة: تشكّل العالم الرّوائي عند حسن داوود حتى العام 2000
_ دبلوم دراسات عليا؛ عنوان الرسالة: تحقيق (تعليقة لطيفة) للشرف الأيوبي الأنصاري
_ أستاذة في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية
_ كتبت عدداً من القصص القصيرة والأبحاث الأدبية.
_ صدر لها رواية “ناي لعصفور الجنة”، ومجموعة قصائد شعرية.

شاهد أيضاً

الدكتورة هبة العوطة: دراسة حول رواية “والهة على درب زينب”

دراسة حول رواية “والهة على درب زينب” الدكتورة هبة العوطة* بسم الله الرحمن الرحيم ،والحمدُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *