الرئيسية / ندوات / كلمة الأستاذة ماجدة ريا

كلمة الأستاذة ماجدة ريا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ماجدة ريا*

كلمة حول البحث الذي قدّمه الدكتور علي أيوب والذي يتناول فيه الديوان الأخير للشاعر شوقي بزيع الموسوم بعنوان “الحياة كما لم تحدث”.

بداية يعرف الباحث عن الشاعر واهتماماته وخبراته وإبداعه الذي جاء نتيجة تجربة شخصية متميّزة، فهو ابن الجنوب الذي عانى زمن الاحتلال فحمّل قصائده الكثير من همّ الوطن والأرض. وهو ـ في الوقت نفسه ـ الشخص العاشق للأنثى إذ يقول فيها: “وحدهنّ النّساء يستطعن محاكاة ولادة القصيدة عند الشّاعر”.

ويعتبر شوقي بزيع أحد أبرز رواد الشعر الذي يمازج بين الحب والأرض والقضايا ذات البعد الوطني، فعلى مدى أربعين عاما أصدر بزيع 23 كتابا لعل أبرزها (مرثية الغبار) و(أغنيات حب على نهر الليطاني) و(فراديس الوحشة) و(إلى أين تأخذني أيها الشعر).

ونال بزيع في أواخر العام الماضي جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية ضمن الدورة الخامسة عشرة، وقد اختارت لجنة التحكيم منح الشاعر شوقي بزيع جائزة الشعر «لما يمتاز به من تجربة شعرية أصيلة، تشمل ثلاث قضايا محورية (الوطن، والمرأة، والزمن) حيث استفاد من أشكال الموروث المختلفة».

من خلال هذا البحث نرى أن الدكتور علي أيوب ينظر بعمق إلى شعر شوقي بزيع ليستنبط منه رؤيته، فكلّ كاتب ـ روائياً كان أم شاعراً ، لا بد له من “رؤيا” خاصة به، تنجبل بها شخصيته، وتميّزه عن غيره، فلا يقع في حبائل التقليد، أو ترتيب العبارات كيفما اتفق، إنّما يصوغ لنفسه كياناً تتجلى من خلاله تجربته في الكتابة، فيقدّم كتاباته التي تعبّر عن أفكاره الخاصة، ورؤاه المتميّزة.

 

فالشاعر يقول عن طريقته في الكتابة لصحيفة البيان الإماراتية: “أنا أعتقد بأن جزءاً أساسياً من جمال العالم موجود في النص نفسه أو في العين أو في الطريقة التي نقارب ذلك الجمال، أي المسألة تتوقف على درجة موهبة الشاعر وما يأتيه من العالم الخارجي من رؤى ومشاهد وأضواء وظلمات، والأهم من كل ذلك، كيف لا نعيد الأشياء كما هي في الأصل، بحيث إن الشعر يتحول إلى مرايا عاكسة لما يأتيها من ضوء، فالمرآة لا تضيف شيئاً.”

ومن الواضح أن الشاعر شوقي بزيع قد كتب ديوانه الأخير “الحياة كما لم تحدث” بخبرة كبيرة، ودِربة عالية، فهو لم يكتب الشعر فقط لأنه يريد أن يقول الشعر، وإنّما لإيصال رسالته إلى كل قارىء، ليعرّفه إلى الحياة كما يراها هوـ وليس كما تحدُث وفق المتعارف عليه، فقد صاغ الحياة التي يراها مناسبة ووضعها بين أيدينا من خلال ديوانه.

كلمات منتقاة بعناية ودراية، تأخذنا في رحلة إلى عمق الديوان، فنبحر في كلماته وعناوين قصائده، نتلمس فيها تلك الأدبية العميقة، المنسوجة بأريج المعرفة، وعطر الخبرة، المخبوزة على نار العمر الهادئة، بنضجها الجميل، فجاءت تلك العناوين والقصائد كجنى وثمار لهذا العمر وهذه الأعوام الطوال.

وحول ديوانه قال الباحث: “إنّها لحظات حيّة متواصلة، تمتزج فيها عناصر القصيدة في فضاء متشابك ومتصادم، لكن بلحمة بنائيّة تجعل من الدّيوان كلّه قصيدة مصنوعة المتواليات، لا بلاغة شكلانيّة عرفناها إلى حدّ كبير مع شعراء الخمسينات أو السّتينات أو السّبعينات. ولا قوافي طنّانة، تخبط الحواس بضوضاء تلقائيّة تطريبيّة. ولا جناسات تحسّن الإيقاعات الخارجيّة. ولا استعارات تحيلها على تفاسير مبسّطة، كأنّه تفسير الماء بالماء.”

ويمكننا القول أن ديوانه الأخير ظهر فيه ميل واضح إلى التقصي الوجودي والحفر في تربة الداخل الإنساني والتخفف من الغنائية الإنشادية، حيث يحتفي الشاعر بالمفقودات وبالمنسي من الأشياء وبالأحلام غير المتحققة بوصفها مادة الحياة الموازية التي وجد فيها الشاعر ضالته ومبتغاه.

“وهنا في هذا الدّيوان “الحياة كما لم تحدث” تظهر القصائد متبنّية قوّة الصّمت المعبّر والموحي، والّذي يحمل تركيب مكوّنات القصيدة وصناعة بنيتها الشّعريّة. فمن هنا يأتي الكلام منخفض النّبرة، غامض الإشارة، مسيّس اللّغة بكلّ أغراض الوقت ومشتقّاته.” بحسب الباحث.

أسهب الدكتور علي أيوب في وصف طبيعة البنية الشعرية لدى شوقي بزيع من باب التأكيد على تميزها وجودتها، واختلافها عن أي شعر آخر، وأورد بعض الأمثلة كنماذج من هذا الديوان، شارحاً لها، وكل ذلك يصب ضمن شرح محتويات الديوان، ونوعية قصائده.

فهو لم يختر منهجاً محدداً لبحثه، وإنما اعتمد على التعريف بالشاعر، وعلى التعريف بطبيعة ديوانه وبنيته الشعرية، كما شرح المعاني التي تؤكد رؤية الشاعر، معتبراً أن ما يطغى على هذا الديوان هو هذه الرؤية التي تميّز بها شوقي بزيع، فعمل على تبيانها وإظهارها من خلال إلقاء الضوء عليها، فلم يسلك ـ في بحثه ـ منهجاً محدّداً من تلك المناهج المتّبعة في البحوث العلمية، كالمنهج البنيوي والسيميائي والنفسي وغيرهم.. على اعتبار أن هذه المناهج تثير جدلاً واسعاً، وأن التوجه حالياً هو باتجاه تمحيص رؤية الشاعر، ومعرفة توجّهاته من خلالها.

ويعرّج الباحث على بعض القصائد التي تمثّل نوعاً من الخيبات  ك “حديقة الأخطاء” و “بيوت الكهولة” و “مناديل لرياح الفقدان”، “بحيث تنحرف الحياة عن المسار الّذي وضع لها، أو تتمّ في غياب أصحابها، أو تتحوّل إلى تلويحة طويلة من الخسارات” كما يعبّر الباحث، “إلّا أنّ ما يعوّض عن خسارة الحياة هو متعة الكتابة ومسرّاتها غير المحدودة”، ولعل هذه المتعة هي التي جعلت الشاعر يرسم الحياة بريشته كما لم تحدث.  وعن ذلك يعبّر الشاعر في إحدى مقابلاته بقوله: «الحياة كتبت لنا خبراً لم نستطع أن نقرأه لكن الفن يمثل الحياة أيضاً وقد رغبت أن أعيش هذا الواقع بالفن والكتابة».

ثمّة عناوين أخرى مثل “النّهر والتّمثال” و “فلسطين” و “كوكب الرّسائل” و “تعقُّب الأثر” تحتفي بالأماكن المغيّبة والشّعراء الرّاحلين وبالهدايا المخبّأة في بريد النّسيان.

ويتوقف عند القصيدة التي يرثي بها “أباه” الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السيّاب وما آل إليه حال العراق.

يتحدّث عن قصيدة “حديقة الأخطاء” حيث يروي الشاعر ما تعرّض له من مرارة وخيبات خاصة في علاقاته مع النساء، وأن حياته لم تجرِ كما يحب ويشتهي، لكنه تجاوزها بكل قناعة ورضا، محتفياً بتجاربه التي جعلته أكثر نضجاً.

ويشير الباحث إلى استعمال الشاعر تعابير رمزية أنثوية في إحدى قصائده، وذلك لشغفه بالأنثى فيأتي ذلك على صيغة صور مرسومة بكلمات.

ويعتبر أن الشاعر يستخدم شخصيات مفتوحة على التأويل كما في قصيدة “اللصان”، ولم تغب فلسطين عن الديوان، حتى العالم الإفتراضي (الفيس بوك) كان له حضور، وكانت هناك إشارة إلى التلازم بين فلسطين والجنوب اللبناني حيث انتصارات المقاومين الأبطال.

في الختام اعتبر أن ما عبر عنه الشاعر جاء كجردة حساب أجريت في سن التقاعد، فأبدع في صوغ تجاربه بعد أن عركته الحياة، فقدّم لنا شعرا عالي الجودة، مميّز المضمون، وهو الشاعر الذي يعيش حياته من خلال الفن والكتابة، حيث يجد نفسه، ويخط الحياة التي ترضيه.

* كاتبة لبنانيّة تكتب المقالة والقِصّة القصيرة، عضو هيئة إداريّة في الملتقى الثقافيّ الجامعيّ، مديرة موقع الملتقى الثقافي الجامعي http://www.al-moultaqa.com
مساعد أوّل لأمين سرّ الاتّحاد الدوليّ للصحافيّين، والإعلاميّين، والكتّاب العرب أصدقاء الصين في لبنان. وعضو للاتّحاد الدوليّ، حائزة على إجازة في الحقوق، وإجازة في الأدب العربيّ.
http://www.majida-raya.com

عن admin

شاهد أيضاً

عشر تقاط في الرمز وعلاقته بالشعر

كلمة الدكتور الشاعر محمد علي شمس الدين حول كتاب الدكتور غسان التويني “جدل الثقافة والرمز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *