الرئيسية / أبحاث / بحث د. علي أيوب حول ديوان الشاعر شوقي بزيع “الحياة كما لم تحدث”

بحث د. علي أيوب حول ديوان الشاعر شوقي بزيع “الحياة كما لم تحدث”

ندوة تتعلّق بشعر الشّاعر شوقي بزيع حول كتابه الأخير

“الحياة كما لم تحدث”

  إعداد: الدّكتور: علي أيّوب

تقديم:

شوقي بزيع شاعر لبنانيّ جنوبيّ، مسكون بارتياد جغرافيا الدّهشة البكر، والإيغال في مغامرة التّخطّي في كلّ كتاباته الشّعريّة منذ سبعينيات القرن المنصرم، وحتّى اليوم. إنّه شاعر ممسوس بالمرأة، فقصائده متجذّرة في أديم الحبّ والجمال، ومفتون بالأمكنة الرّيفيّة الأولى، يهجس بحلم العود الأبديّ، ومصاب بلوثة الشّعر وشهوة الكشف والإبداع، إذ تدخلك قصائده في فضاءات الوجد الجماليّ الشّعري.

لقد راكم شاعرنا تجربة شعريّة غنيّة ومتوهّجة في المشهد الشّعريّ اللّبنانيّ والعربيّ، حرص فيها على تجديد موضوعاتها وفضاءاتها الدّلاليّة، وتقنيّاتها الكتابيّة، فحازت مفاتيح التّميّز والفرادة والخصوصيّة الّتي تخصّها وحدها، حتّى تُرجمت بعض قصائده إلى لغات عالميّة حيّة، وقد حاز الشّاعر جوائز الإبداع ليعبر صوته الشّعريّ خلف حدود البيئات الشّعريّة في أكثر من مدينة عربيّة وأجنبيّة وذلك دليل على وهج شاعريّته وتألّقها، ومن هنا كانت هذه الدّراسة الموسومة بعنوان: قراءة في ديوان شوقي بزيع الأخير وهو:” الحياة كما لم تحدث”.

حين يتحوّل الشّعر إلى ما يشبه السّيرة، تخرج القصيدة عن لعبة أكاذيبها، وغوايات استعاراتها، لتبدو وكأنّها لعبة اختفاء ومكاشفة واقتراب مؤنس من اليوميّ والهامشيّ، حيث سردنة الخسارات وإباحتها، وحيث الشّغف بالحياة وتأمّل ما تساقط منها، وما علق من ذاكرة مواقيتها المسافرة ، حيث لعبة الشّاعر في الاستعادة للبضائع والهارب والعابر. فالتّوازي بين الشّعر والحياة هو الفضاء الّذي استغرقته هواجس شاعرنا في كتابه الأخير“الحياة كما لم تحدث” الصّادر عن دار الآداب في بيروت، إذ تضعنا قصائده عند حافّات مسكونة بالقلق، وباعثة على نوع من فجائعية الإحساس بالوحدة، فالشّاعر يدرك أنّ اللّغة هي بيته السّحريّ التّعويضيّ، فإنّه ينفر عنها، إذ يماكرها بوصفها مجاله السّحريّ لاستحضار استعاراته الموحية، والمضادّة للفقد والنّسيان والعزلة.

هكذا يدأب بزيع على تحويل المعرفة عن طريق الشّعر إلى إشراقيّة وليس ماديّة أو تجريبيّة، في محاولة لخلق الدّيمومة للكائن الشّعريّ ضدّ الانصرام والقطيعة والتّلاشي للكائن الطّبيعيّ، فهذا الأخير قد يكتفي من الحياة بأن تكون مجرّد محاكاة للواقع أو خضوعاً لشروطه، لكنّ الشّاعر يحاول أن يصيغها وهو يتجرّأ على الواقع ويتمرّد على نواميسه، وبهذا يضخّم الحياة ويهوّلها ليمنحها الدّيمومة.

أضف إلى ذلك أنّ “لم” في عنوان المجموعة، لا تقف عند دلالتها النّحويّة المباشرة في نفي حدوث الفعل، وإنّما تتعدّى إلى قلب زمن الحاضر وتحويله إلى ماضٍ. لذا فهو يتحدّث إلى الحياة من ضفّة ثانية : “فالحياةُ لا تكونُ إلّا حيثُ لا أكونُ” أو يتأمَّلها ويلوّح لها حين تطويها رياح الزّمن والنّوائب كما هي قصيدة “مناديل لرياح الفقدان” “المناديلُ صورُ ما لمْ نجدْهُ على الأرضِ يَوماً”. ويبدو التّخطيط للمستقبل ضرباً من المستحيل! ذلك أنَّ الزّمن نفسه يكشف عن احتمالات غير متوقّعة ولا يمكن التّكهّن بها آنياً ولا مستقبلاً. من هنا فإنّ الماضي في ديوان بزيع بوصفه مكتملاً يمكن النّظر إليه من زاوية أخرى وإعادة خلقه، وتصوير” الحياة كما لم تحدث” لا بمعنى إنّها لم تحدث تماماً، بل بمعنى الكيفيّة الأخرى الّتي كان ينبغي أن يكون عليه حدوثها، ومن هنا فإنّ إعادة الصّياغة لدى شوقي بزيع ليست نفياً لحدوث الحياة نفسها، وإنّما محاولة لرواية خبر آخر عمّا كان ينبغي أن تكون عليه، أو كما لو أنّها حدثت لكن على نحو مختلف.

يتفوّق شوقي بزيع على نفسه في مجموعته الشّعريّة “الحياة كما لم تحدث”، في قصائد متفرّعة من لغة خصبة، أبعد من البسيط، و القوالب الشّعريّة الخاصّة، تجاوز البوحيّة، والمناسبيّة، إلى استشفاف تجربته من عمق عمره. وحياته بوقفات تأمّليّة حيّة، وبمداخل جديدة للّغة. لقد صاغ شوقي بزيع إرثه الشّعريّ على امتداد متراكم ومتوالد على استمراريّة عموديّة وأفقيّة. ولكن في هذه المجموعة “الحياة كما لم تحدث” عمل بصبر على مكامن البنى، والعلاقات الكيميائيّة والفيزيائيّة، والتّحتيّة على قصائده. إنّها اللّغة بمدلولاتها الباطنيّة، كأنّما خرجت على ما يمكن وصفه بذائقة القارئ الجماعيّ إلى ما هو أكثف، وأكثر تركيباً، وأعمق تعاملاً مع المواصفات السّابقة. مواصفات القصيدة المركّبة بكلّ متعلّقاتها وروافدها، وبواطنها وإيحاءاتها، وطراوة المساحة التّأمّليّة، الّتي عرف كيف يجنّبها الذّهنيّة الجافّة، أو الخطابيّة المبسّطة أو حتّى المباشرة المجوّفة. إنّها لحظات حيّة متواصلة، تمتزج فيها عناصر القصيدة في فضاء متشابك ومتصادم، لكن بلحمة بنائيّة تجعل من الدّيوان كلّه قصيدة مصنوعة المتواليات، لا بلاغة شكلانيّة عرفناها إلى حدّ كبير مع شعراء الخمسينات أو السّتينات أو السّبعينات. ولا قوافي طنّانة، تخبط الحواس بضوضاء تلقائيّة تطريبيّة. ولا جناسات تحسّن الإيقاعات الخارجيّة. ولا استعارات تحيلها على تفاسير مبسّطة، كأنّه تفسير الماء بالماء.

وهنا في هذا الدّيوان “الحياة كما لم تحدث”  تظهر القصائد متبنّية قوّة الصّمت المعبّر والموحي، والّذي يحمل تركيب مكوّنات القصيدة و صناعة بنيتها الشّعريّة. فمن هنا يأتي الكلام منخفض النّبرة، غامض الإشارة، مسيّس اللّغة بكلّ أغراض الوقت ومشتقّاته. فهو بذلك سار عكس تيّار الشّعراء الّذين يكتبون قصيدة، ثمّ يكتفون خارج هواجس نفي الذّات، وإدراك مناطق تجارب جديدة جعلت أفقه أكثر انفتاحاً، ولغته أكثر كثافة، ودلالاته أكثر تنوّعاً وخصوبة. والدّليل على هذا، ما جاء وفق كتاباته الشّعريّة في ديوانه “الحياة كما لم تحدث” فمنها قصيدة “كعبة الكلمات” الّتي افتتح بها شوقي بزيع ديوانه بقصائد ونصوص عبّر فيها أصحابها عن معاناتهم في أثناء الكتابة. فالشّاعر الفرنسيّ مالارميه مثلًا كان يمضي اللّيل كلّه أمام الورقة البيضاء لكي يعثر على الكلمة المناسبة. وكان فلوبير الّذي كان يريد أن يكون “شاعر النّثر” يمضي ساعات طويلة في كتابة جملة واحدة. لذلك كان يمضي اللّيل ساهراً وهو يروح ويجيء، مردّدًا الكلمات بصوت عالٍ بحثًا عن تلك الّتي تكون رنّتها الموسيقيّة أفضل من غيرها. وفي قصيدته المذكورة يأخذنا شوقي بزيع إلى عالمه السّريّ لنراه في عزلته أمام الورقة البيضاء، وهو يبحث عن شوارد الكلمات، وعن نوادر الاستعارات الّتي كان من اليسير على أبي الطّيّب المتنبّي العثور عليها في حين يسهر الآخرون جرَّاها ويختصمون. “متباريًا على ملعب من رموز”، ينتظر الشّاعر ولادة القصيدة “محلوْلكًا مثل أرملة في الحداد”، و”منفصمًا كالمرايا”، و”مستوحشًا كالمسيح بلا مريمات”. وأحيانًا تظلّ الكلمات أمام عينيه مثل “بيارق عمياء”، وأمّا الاستعارات فتتركه “الصّقيع”. لكن في لحظة ما تشعّ أمامه مثلّما تشعّ نجْمة الصّبح أمام المسافر الضّالّ في البيداء، فيقطف الشّاعر عندئذ “ثمار العناء”، ويتذوّق متعة الكتابة في الصّمت والعزلة. أمّا شوقي بزيع فيقول: فوحدهنّ النّساء يستطعن محاكاة ولادة القصيدة عند الشّاعر.

 

وإلى جانب هذه البنية المركزيّة يولي الشّاعر عناية خاصّة لرسم بورتريهات في أكثر من قصيدة من الدّيوان ففي “كعبة الكلمات” يرسم بورتريهاً للشّاعر، لكنّه ليس بورتريهاً حياديّاً، إذ تتحوّل لعبة الكلمات من مجرّد ريشة أو أداة لرسم الحالة الخارجيّة للشّاعر، إلى مرآة اعتراف وربّما الإقرار بهزيمة ممتعة، لذا يمكن وصف البورتريه هنا بأنّه شخصيٍّ وإن بدا مموّهاً بالاستعانة بلعبة القناع والمرآة من خلال صيغة المخاطب لتكريس الآلام الدّاخليّة للذّات المنطوية على عالمها، فالقصيدة معادلة لأنثى مقدّسة والشّاعر كاهنها وربّما خالقها وزوجها ووليدها، فهي عذراء ولكنّها تعاني في مرحلة ما من آلام المخاض!

يسير بنا الشّاعر شوقي بزيع في ديوانه الأخير إلى مراقبة سيرورة المعنى، وتحوّلات الجسد، ويطلق العنان لنفسه في تقصّي تمثّلات أقنعته واستعاراته، وبما يجعلها أكثر قرباً من الخبرة. و يبدو الشّاعر مشغولاً باستمناء لذّة تلك الاستعادة بمحاورتها التّاريخيّة، فالشّاعر يحتفي بالمفقودات وبالمنسي من الأشياء وبالأحلام غير المتحقّقة بوصفها مادّة الحياة الموازية الّتي فيها الشّعر ضالّته ومبتغاه. وهو ما يبدو جليّاً في قصائد “حديقة الأخطاء” و “بيوت الكهولة” و “مناديل لرياح الفقدان”، بحيث تنحرف الحياة عن المسار الّذي وضع لها، أو تتمّ في غياب أصحابها، أو تتحوّل إلى تلويحة طويلة من الخسارات. إلّا أنّ ما يعوّض عن خسارة الحياة هو متعة الكتابة ومسرّاتها غير المحدودة. و ثمّة عناوين أخرى مثل “النّهر والتّمثال” و “فلسطين” و “كوكب الرّسائل” و “تعقُّب الأثر” تحتفي بالأماكن المغيبة والشّعراء الرّاحلين وبالهدايا المخبّأة في بريد النّسيان، أو تتقصّى ملامح وإشارات الماضي المنصرم. حيث أنّه يُحضر سيف بن ذي يزن مع الحبيب الزّيودي، مثلّما يحضر السّيّاب عبر تمثاله وروحه الصّاخبة، وكأنّه يقترح من خلالها وجهاَ آخر، أكثر قسوة للوجود والحياة وللقصيدة حين تتّسع للرّؤيا والعبارة والأنوثة، تلك الّتي تشاطره اللّذة والشّغف، مثلّما ترهقه بالفقد والغياب والجراد والحرب وذاكرة الأخطاء. فيقول الشّاعر في قصيدة النّهر والتّمثال الّتي  يرثي فيها “أباه” الّذي هو الشّاعر العراقي الكبير بدر شاكر السّيّاب الّذي مات “ظمآنَ”، وبلا “سلالم لانتشال زفيره المشلول من درك القنوط”. وصاحب “أنشودة المطر” هو في هذه القصيدة رمز للعراق الّذي لا تلتئم جراحه إلّا لكي تنفتح من جديد، ولتكون أكثر عمقًا وتعفّنًا من ذي قبل. ورغم أنّهم أقاموا له تمثالًا على ضفاف مصبّ النّهرين في البصرة، أملًا في أن تسهم أشعاره في التّوحيد بينهم، وفي أن يستوي العراق “وطنًا سويًّا”، إلّا أنّه سرعان ما يغيب عن ذاكرتهم فيخذلونه ومن جديد يغرقون في النّزاعات والصّراعات القاتلة والمدمّرة ليكون “الظّلام” الّذي طالما حذّر منه “أشدّ إطباقًا على الموتى، وأعتى في شراسته على الأحياء” فيقول:

“رفعوك يا أبتاه تمثالاً على النّهر

لتصنع من تقاعسهم،

وقد خذلوك حيّاَ”[1]    

“ونودي بالجراد مؤذّناَ

بآسم الخصوبة،

حيث بوصلة النّفاق

تقود من عطشوا إلى السّحب الخطأ”[2]  

“والّذين تسنّموا سُدَدَ العروش

تقاسموا مثواك

كي يرشّوا بأنبل ما كتبت

حروب ردّتهم”[3]   

احتفاء الشّاعر باللّغة يبدو وكأنّه ثوريّة للاحتفاء بالحياة ذاتها. إذ تحضر أنوثة اللّغة بوصفها تعويضاً وإشباعاً، وهذا ما يجعل الشّاعر أكثر عناية بصياغة التّفاصيل، وبتأمّل زمنه الشّخصيّ، في سياق ترميم العلاقة بين الزّمن والجسد، أو في إعادة النّظر إلى فكرة الوجود ذاته. لمواجهة “بيت الكهولة” أو للتّصالح الوهميّ مع الماضي، إذ تتبدّى هذه السّياقات عبر صيغة من يمنح اللّغة وظيفة التّعالي والخلق واللّذة، ويؤطّر الجسد بصورته العالقة بذاكرة الحائط وبكينونته لمواجهة فكرة العدم. فالشّاعر في كتاباته خلق للكلمات عبر اللّغة، وأقرب إلى صانع أقنعة للّعبة الاحتفاء بالحياة الّتي لا تنفكّ تتحوّل إلى لعبة لغويّة استعاريّة، حيث يقول الشّاعر:

“نحن رحّالة الوقت،

حرّاسَ أعطابهِ في الخلايا

وأفخاخهِ في المنافي

وسكّان أنفسنا الغائبينْ

صوّبتنا إلى غير مرمىً سهامُ الظّنون،

ومالت بنا دفّة العيشِ

أبعد ممّا أعدّت متاهاتنا

من هُوًى

فنأينا بعيداً” [4]  

بيد أنّ صورة الشّاعر في هذه المرآة ليست لفتى غرّ، إنّما لمجرّب بلغ الكهولة وهو “يبالغ في وصفه

كي يُنقّي ورود التّعاطف

من وخزة النّدم المازوشي

على ما ضاع من العمر”[5]     

وفي قصيدة “حديقة الأخطاء”، يحاول شوقي بزيع وقد تقدّمت به السّنّ بحيث باتت حياته جديرة بالمراجعة، أن يرسم لنا صورة دقيقة عن ذاته. فهو يعلم الآن أنّه لم يكن يريد من الحياة منذ البداية غير:

“أرض صلبة يمكنه الوثوق من حولها،

غير خطّ واضح يعيد

 لاستقامتي طريقها السّويّ”[6]

ولم يكن يريد من خطاه سوى أن تقوده إلى الماضي ليرى سماء طفولته صافية وزرقاء، ويسمع الرّيح وهي تهبّ لكي

 “تذهّب السّنابل الّتي تنام

في ضفائر النّساء”[7]

ولكنّه لا يلبث أن يشعر بالإخفاق والخيبة المُرّة. فكلّ النّساء اللّائي أحبّهنّ تبخَّرْنَ وتبخَّرَ جمالهنّ بحيث لم يعُدْ يرى إشارة تدلّه على نفسه. لكأنّه شبح هائم في ظلمة الزّمن، يبحث دونما جدوى عن شيء يردّه إلى نفسه فلا يعثر عليه أبدًا. فهو من وهم إلى وهم آخر، ومن كابوس إلى كابوس آخر، ولا نهاية للمتاهات الّتي هو ضائع فيها بحيث لم يُعثَرْ عليه حتّى في

“زخارف البلاغة البلهاء أو حبائل الكلام”[8]

ومع هذا الشّعور بالنّدم على ما ضاع فإنّه يبقى”في كلّ حزن عميق مباهج مفقودة” بيد أنّ النّدم، ليس مكثّفاً ليجعل من الأخطاء خطايا آثمة، إنّما هي مجرّد أخطاء سلميّة بخسائر قليلة يتأمّلها برضا وقناعة فيقول:

“لم أطلب الكثير من حياتي…

ولا طلبت من خطاي غير أن تقودني،

 ولو لمرّة إلى الوراء

أظنّني لم أطلب الكثير من حياتيَ

الّتي أخفقتُ في إماطة اللّثام

عن وجوه سحرها الخفيّ”[9]   

ومع هذا تبقى الحسرة متحكّمة في الذّات البشريّة من خيبة جلجامش إزاء الخلود، وصولاً إلى الرّضا من الغنيمة بالإياب لدى الشّاعر الجاهليّ امرىء القيس، لتتجلّى ظاهرة في حسرة الشّاعر على ما فات. ففي قوله:

“وهكذا في كلّ ما سعيت نحوهُ

شعرتُ أنّني خدعتُ

إذ لا نهر يمضي ثابتاً إلى مصبِّهِ

لكي أكون ضفّةً له،

وكلُّ من أحببتهنّ من نساءٍ

لم يكنَّ غير حيلة الخيال

لاصطياد ما يضيء خلفهنّ

من لآلئ الجمال

فكيف لي إذاً بأن أرى إشارةً

تدلّني عليْ؟

وكيف أستطيع أن أصوّب اعوجاج نظرةٍ

تلكّأتْ رؤاي في تسديدها”[10]   

و ينهي شوقي بزيع قصيدته وهو موجع القلب والرّوح فيقول:

“وها أنا، كما ترون،

لست إلّا رجلًا محرَّفًا،

يسير عكس ما أرادهُ

لكي يقيم في حديقة الأخطاء”[11]

 

 فاللّغة أنثى والحياة أنثى أيضاً، وكلتاهما تمثّلان الشّيفرة السّحريّة الّتي تتحكّم بتوهّجات الرّوح الشّعريّة، فلا يجد الشّاعر أفقاً للخروج منها والإنصات والإغواء سوى أن يشحن اللّغة بطاقة متعالية لاستعادة لحظات الأنوثة الغائبة، لمواجهة الطّاقة الخابية للجسد عبر تمثّلات رمزيّة يدخل فيها الاستفهام”كم” فيقول:

“يا تراباً وهبناه أنبل أبنائنا

والتحفنا بأثدائه رضّعاً

وبأشواكه صبْيَةً

وبأثلامه عجّزاً،

سوف أضفر صوتي بأعتى الرّيح

لأسألك الآن:

كم من مسيح علينا انتشال انتظاراته

من سفوح القيامة؟

كم من غروبٍ ذبيحٍ

علينا اختراع احمرارٍ لحنَّائه؟

كم حداداً علينا تلقّفه بالسّواد،

وكم نجمة تتحلّق من حولها

سرَّة العالمين

توجَّب أن تمحى كي يطلَّ الصّباح؟” [12] 

 

وفي قصيدة “مناديل لرياح الفقدان”، يجوس شوقي بزيع بين الأطلال مثل الشّاعر الجاهليّ. وعكس هذا الأخير هو لا يبحث عن الحبيبة الّتي غابت في سراب الصّحراء، ولا عن بيوت كان قد أقام فيها في ماضٍ قريب أم بعيد، ولا عن بلاد توفّر له الشّعور بالأمان، إنّما عن

“فهرس للظّلال الّتي تعصم الخلق

 من فكرة الامّحاء”[13]

و تمامًا مثلّما فعل بطل قصّة خورخي لويس بورخيس “الميت” الّذي يذهب إلى أقصى الأرض ليسبح في النّهر الّذي يحقّق الخلود. ومناديل الفقدان عند شوقي بزيع لا تتمثّل في صورة واحدة، أو في مشهد يتيم، بل في صور ومشاهد عدّة. فقد تتجسّد فيمن

“رفعوا يأسهم كالصّواري

 على سفن لم تعد

وفي التّفاتة صفّ طويل

من الجند

نحو الدّموع الّتي تترقرق

 في أعين الفتيات الصّغيرات

 قبل اندلاع الحروب

تركوا هائمين

 على وجههم

عند مفترقات الدّروب”[14]

فجمل شوقي بزيع تكون عادة ذات حواشٍ ترفل بها أحياناً حتّى  لتبدو مثل هالات إضافيّة حول الجملة المركزيّة الأكثر لمعاناً. ولعلّ هذا بفعل شرط الإيقاع والتّدفّق الشّعوريّ الّذي لا يخلو من غنائيّة تتراكم أحياناً، وإن كانت ذات تفاعل أقل. وغالباً ما يعمد إلى البلاغة السّلسة والاستعارة الشّعريّة المناسبة عبر كيمياء رصينة بين مفردة وأخرى، وبين مفردتين تبدوان متنافرتين، لكنّهما تغدوان منسجمتين عبر خلق معاشرة خاطفة بين بعيدين.

وإلى جانب آخر منه في قصائد تتّجه إلى رسم شخصيّات مفتوحة على التّأويل كما في قصيدة “اللّصّان” حيث ثمّة استعادة مضمرة لصور صلب الشّعراء اللّصوص في التّراث العربيّ، وصولاَ إلى لحظتنا الرّاهنة، ملمّحاَ إلى تراجيديا سوداء تحيل اللّصّ إلى شهيد، عبر الصّلب الّذي يرسّخ في أكثر من مكان الالتباس بين صلب المسيح والشّبيه فيقول:

“أيَّ جرمٍ جنيا كي يجعلا ندّيْنِ غُفلينِ

لمن قُلِّد في محنتهِ

تاجاً من الشّوكِ

من جرّع كأس الخلّ صرفاً

قبل أن يعلن، عُريان ومنبوذاَ

على الموت انتصاره

وهما ليس سوى لصّين مجهولين”[15] 

وتبرز الاستعارة كذلك في القصائد الّتي تتّجه نحو قضايا الشّأن العامّ كما في قصيدته عن “فلسطين” والأخرى عن “اليمن”، حيث الاستعادة التّاريخيّة في تعقّب أثر سيف بن ذي يزن، وكذلك الحال في استعادة أزمنة الورق والحبر في قصيدة“كوكب الرّسائل” الّتي تحوّلت إلى مخطوطات رثّة تنتظر من بعيد تحقيقها، منطلقاً من ذاك الضّوء الأسود للتّعرّف على ما تضمّنته من حياة وذكريات وأشخاص. وحتّى “الثّقوب” في الجدران تعيده إلى تذكّر الرّحلة من الرّحم إلى العدم، وهو يتقصّى الثّقوب في أزمنة شتّى من الأساطير، إلى روح الموسيقى“فالكهوف ثقوب والنّايات ثقوب”، وإزاء الرّسائل القديمة.  يكتب حواراً مع الشّاعر الرّاحل حبيب الزّيودي على صفحات فيس بوك، وفي عالم يأسه الأخير قبل الغياب الأبديّ فيقول:

“واصطفى شاشة الفيس بوك

كيما يؤلّف فوق تضاريسها

نسوةً من غمام

وحيث استطاب الإقامة

في جنّة العالم الافتراضيّ

راح يدير حساباً مع النّفس

لفّقه من مرور أنامله

فوق أزرار أحلام يقظته”[16]  

بيد أنّ ذروة الاستعادة تكمن عبر حال مراقبة الحياة، وهي تحدث في البعيد كزيادة شبحيّة في قصيدة“مبنى الحمراء سنتر” حيث يتأمّل ضلال حياته عبر المكان وإطلال حكاياته،  وكأنّها جغرافيا فارغة ممّا حدث، لكنّها مكتظّة ومأهولة بالأخيلة والأشباح والضّلال، مستعيداً أطيافاً مشحونة بأصداء الموت والحبّ معاً فيقول:

“كما لو أسمع من أزمة أخرى

حيوات لي

ما زالت عالقة في رحم التّكوين

يوميّاَ تتراءى لي

شاغرة إلّا من بضعة أنفاس لم تخمد بعد

القسمات الممحوّة للشّخص المتروك

على قارعة الماضي”[17]

وتحضر فلسطين في كتابات شوقي بزيع مستنهضاً الوحي ليدلّ على عظمة هذه المدينة وقدسيّتها فيما تعانيه من ظلم وأسى ولوعة خاطر مجبولة بالدّماء فيقول:

“وهي ما يستعين به الوحي

كيما يعيد النّفوس إلى رشدها

كلّما نقص الحبُّ في الأرض

أو أُفرغت من بهاء مزاميرها

جُعبُ الأنبياء

وهي لو لم تكن لتوجّب تأثيثها

من سراب التّمنّي،

ومن حاجة الكائنات إلى آية للظّهور

ومن حاجة الإعوجاج

إلى الإستواء” [18]

وعن التّلازم بين جنوب لبنان المتاخم للحدود مع فلسطين يقول الشّاعر:

“فلا قطرة من مياه

جرت في عروق الجنوب النّحيلة

إلّا وقد رفدتْها بأشهى الغيوم اخضراراً

جبال الجليلْ

فهنا حيث يغدو الجنوب شمالاً

لما خزّنته فلسطين من عائدات الأغاني،

ويغدو الشّمال جنوباً

لمن أشعلوا النّار فوق التّلال

لكي يهتدي الشّهداء بعنقائهمْ

وهي تخطو إلى الضّوءِ

ناهضةً من رماد العصورْ” [19] 

 

كلمة أخيرة

إنّ تجربة شوقي بزيع في هذا الدّيوان تجربة شعريّة ضاربة بأصولها في جذور الشّعريّة العربيّة، ولكن من غير نمذجة واتّباع، وهذه التّجربة مشبعة بروح عصرها من الشّعريّة وتيّاراتها الحداثويّة الغربيّة والعربيّة، بتلك التّجربة الّتي تثري مفهوم التّعدّديّة الشّعريّة والدّلاليّة والرّؤيويّة في خضمّ المشهد الثّقافيّ العربيّ المعاصر، الّذي يكاد يرزح تحت عبء تيّارات معرفيّة دينيّة تؤمن بالواحديّة الفكريّة العقديّة، وتتغذّى من نزعة  الاصطفاء النّرجسيّة، وتُراكِمُ من تسعير الصّراع الملتهب في المنطقة العربيّة على الأصعدة كافّة. وفي خلاصة هذه المجموعة يؤكّد الشّاعر شوقي بزيع أنّه يكمل رحلته في البحث عمّا هو فريد معزّزاً صلابة مدرسته الشّعريّة، ناطقاً باسم الرّؤيا وممعناً بإعطاء الشّعر ومن يتعاطى معه مسؤوليّة التّمحيص والتّدقيق لينتج عن القارئ انطباعاً لم يحدث من قبل. فيقول: إنّ القصائد على متن هذا الكتاب جاءت من وحي سنّ التّقاعد الّذي يدفع إلى جردة حساب عن حياة لم تُكتب لها الحياة، ويعلّق على هذا الأمر بالقول: “الحياة كتبت لنا خبراً لم نستطع أن نقرأه، لكنّ الفنّ يمثّل الحياة أيضًا وقد رغبت أن أعيش هذا الواقع بالفنّ والكتابة.”

 

 

 

 

[1] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. بيروت، دار الآداب، ط1، 2018، ص54.

[2] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص62.

[3] شوقي بزيع. الديوان. ص65.

[4] شوقي بزيع. الحياة كما لم حدث. ص27.

[5] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص10-11.

[6] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص22.

[7] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص20.

[8] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص25.

[9] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص21-22.

[10] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص23.

[11] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص26.

[12] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص83-84.

[13] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص40.

[14] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص40-41-42.

[15] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص49.

[16] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص111.

[17] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص127.

[18] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص77-78.

[19] شوقي بزيع. الحياة كما لم تحدث. ص80-81.

عن admin

شاهد أيضاً

كلمة الأستاذة ماجدة ريا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ماجدة ريا* كلمة حول البحث الذي قدّمه الدكتور علي أيوب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *