الرئيسية / مؤتمرات / الرمز في الخطاب الشعري الفلسطيني المقاوم

الرمز في الخطاب الشعري الفلسطيني المقاوم

مؤتمر المقاومة13

للرموز حضورٌ واضح في القصيدة العربيَّة الحديثة عامةً وفي الشعر الفلسطيني على وجه الخصوص، والرموز التراثيَّة سواءً أكانت رموزاً أسطوريَّة أم دينيَّة، أم مستقاة من الموروث الأدبيّ أو التاريخيّ، أغنت النصّ الشعريّ فكرياً وجمالياً، وأضفت على القصيدة عمقاً وكثافة. على أن القصيدة لم تكتسب قيمتها من حضور الرمز، بل من الصورة الكلِّية التي أضاءها الرمز بعد أن صار جزءاً من نسيج القصيدة.

عند قراءة نماذج مختلفة من قصائد الشعراء الفلسطينيين نلاحظ أن الرمز التراثي إنما يتَّخذ دوره الوظيفيّ الفعّال وبُعدَه الجمالي حين يحتضن دلاليّاً تجربةَ الشاعرِ المعيشةَ أو رؤياه أو تطلُّعاتِه، ويأتي تركيبياً ضمن سياقٍ يربطه برموز المكان أو عناصر الطبيعة. وغالباً ما يكون التكرار والتوكيد والاعتماد على الشحنة العاطفيَّة والصورة الشعريَّة المؤثِّرة من العوامل التي تمكِّن الرمز من ترسيخ الفكرة المحوَريَّة في القصيدة.

في هذه المشاركة، نحاول انطلاقاً من نماذج محدودة أن نرى كيف يتجلَّى البُعد المقاوم من خلال توظيف الرمز التراثيّ في الخطاب الشعري الفلسطيني.

من القصائد التي يبرز فيها دور الرمز الديني والتاريخي “قصيدة الأرض” لمحمود درويش، و”خديجة” هي الرمز الذي يُمسِكُ بهذه القصيدة من أوَّلها إلى آخرها. تُفتَتَح “قصيدة الأرض” بصوت الراوي يَصِفُ قتلَ العدوِّ خمسَ بناتٍ وقفْنَ على باب مدرسةٍ ابتدائيَّة. وتظهر براعة درويش في حسن اختيار الرمز التراثي وتفعيل دوره بربطه برموز المكان؛ فيستدعي شخصيته الرمزية بأسلوب مؤثِّر يقول:

” أنا الأرضُ

والأرضُ أنتِ

خديجةُ لا تغلقي الباب

لا تدخلي في الغياب “

خديجة في النص الشعري متَّحدةٌ بالأرض، وتاريخياً هي كالأرض سكناً وملاذاً، هي مصدر حبٍّ وعطاءٍ وحماية. حين يغيِّبُ العدوُّ حفيداتِ خديجة، تحضرُ خديجة لتحضِر الأنا المقاوِمة؛ ومن رحم الاتحاد بين الأنا والأرض وخديجة تولد القوَّة لتغيير الواقع فيقول الشاعر:

“سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل

سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل

سنطردهم من هواء الجليل “

تؤكِّد هذه الأنا حقَّها المشروع واقعاً وتاريخاً باستعمال التركيب الإضافي الذي يندر أن تخلوَ منه قصيدةٌ مقاومة:

“هذا الترابُ ترابي

وهذا السحابُ سحابي

وهذا جبينُ خديجة “

في هذه القصيدة يكثِرُ الشاعر من توظيف عناصر الطبيعة فيذكر الأحجار والأشجار والأنهار والأزهار والحقول والجبال والقمح والزيتون والبرتقال، كما تتكرَّر أسماء الأماكن: الجليل والقدس وأريحا ويافا، وتنتشر رموز الانبعاث: انبعاث الأرض في شهر آذار في سنة الانتفاضة. أما الرمز المتكرِّر “خديجة” فيبرز رمزاً دينياً وتاريخياً وإنسانياً، يتفاعل مع رموز المكان والطبيعة، فيضيء فضاء النص الشعريّ، ويصلُ الخطابُ المقاوِم إلى ذروته حين تنبعث الذات وتستعيد قوَّتها وقدرتها على الصمود والمواجهة. يختم الشاعر القصيدة بقوله:

” أيُّها الذاهبونَ إلى صخرةِ القدس

مرُّوا على جسدي

أيُّها العابرونَ على جسدي

لن تمرُّوا

أنا الأرضُ في صحوِها

لن تمرُّوا

أنا الأرضُ. يا أيُّها العابرونَ على الأرضِ في صحوِها

لن تمرُّوا

لن تمرُّوا

لن تمرُّوا”

في هذه القصيدة الطويلة نسبياً انطلق درويش من حَدَثٍ واقعيٍّ مأساويّ، ثم استحضر الرمز الديني ووظَّفه للتعبير عن فكرة الانبعاث. ونرى أن رصد الفضاء الذي يتحرَّك فيه الرمز التراثي في بنية الخطاب الشعري الفلسطيني المقاوم تركيباً وتشكيلاً وتعبيراً عن التجربة الواقعية، إنما يقتضي الانطلاق في اتجاه أفقي يراقب العناصر الثابتة المتكرِّرة في توظيف رمزٍ واحدٍ عند شعراء مختلفين تجمعهم تجربة مشتركة، يتبعه العملُ في اتجاه عمودي يواكب تطوُّر تقنية توظيف الرمز عند شاعرٍ بعينه.

فيما يلي سنراقب الرمز الأسطوري في قصيدتين قصيرتَين: الأولى لمحمود درويش والثانية لسميح القاسم، وقد كتِبت القصيدتان في أواسط الستينات للتعبير عن تجربةِ الإنسان الفلسطيني داخل الأرض المحتلة والعلاقةِ التي تربطُه بالفلسطيني الذي تمَّ تهجيره من أرضه.

وظَّف الشاعران أسطورة أوديسيوس، وهو أحد أبطال اليونان في حرب طروادة، فنهلا من الملحمة الإغريقية الأوديسَّة، التي تروي قصة عودة أوديسيوس أو يوليسيس إلى مملكته إيتاكا في رحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر استغرقت عشر سنوات.

تحتلّ فكرة العودة موقعاً مركزياً في قصيدتَي درويش والقاسم. نبدأ بقصيدة درويش وعنوانها “في انتظار العائدين” وهي تميل إلى البنية الدرامية مع حضورِ عناصر البناء السرديّ حضوراً طاغياً. تصلنا القصيدة على لسان الراوي الذي ينقل لنا الصورة وهو في قلب الحدث: في القصيدة مشهدان يتكاملان؛ المشهد الأول للأنا وهي تمثِّلُ الإنسانَ الفلسطينيَّ المقاوم داخلَ أرضه، والمشهد الثاني للعائدين المنتظَرين وهم الفلسطينيُّون المبعَدون عن أرضهم.

في المشهد الأول يرسم الشاعر صورة الأنا مستحضراً شخصيَّة ابن عوليس: “وأنا ابنُ عوليسَ الذي انتظر البريدَ من الشَّمالِ” لكنه يغيِّر مواقف هذه الشخصية: في الأسطورة يقرِّر ابنُ عوليس تليماك أن لا يبقى في وطنه منتظراً عودة أبيه فيسافر ليتقصَّى أخباره، أمَّا ابن عوليس/الشاعر فيتَّخذ قراراً برفض السَّفر بل ويجعله معادلاً للخيانة. ومع الانحراف عن مسار الأسطورة الإغريقية، نسَجَ درويش الأسطورةَ الفلسطينيةَ ورموزَها الجديدة: في مقابل البحر رمزِ الرحيل، يختار ابنُ عوليس الفلسطينيُّ الجبلَ بعلوِّه وبُعدِه مكاناً ومقاماً، ويختار الصخرة بكل ما تحمله من معاني القوَّة والصمود والاستقرار في المكان. ويتوجَّه إلى صخرته بخطاب رقيق تنكشفُ فيه علاقةُ وفاءٍ متبادَل بين الشاعر الثائر والصخرة التي تصون صاحبَها الوارثَ الشرعيّ:

يَا صخرةً صَلَّى علَيها والدِي لِتَصُونَ ثَائِرْ

أنَا لَنْ أبِيعَكِ بالَّلآلي

أنَا لَنْ أُسَافِرَ

لَنْ أُسَافِرَ

لَنْ أُسَافِر “

تكتسبُ الصخرةُ هالةً قدسيَّةً من خلال صلاة الوالد وتؤدِّي هذه الصورةُ الشعريةُ دورَها في سياق القصيدة؛ فنرى أن التصويرَ وأسلوبَ الخطاب والتكرار والتوكيد يوظَّفُ دلالياً لتأييد قرار التشبُّث بالأرض والدفاعِ عن الحقِّ التاريخيّ. كما أن هذه العناصرَ مجتمعةً تمُدُّ الخطابَ المقاومَ بشحنةٍ عاطفيةٍ وجمالٍ إيقاعيّ، فترتسم ملامحُ ابنِ عوليسَ الجديد/ الإنسانِ الفلسطيني الباقي في أرضه، الثائرِ على مغتصِبِ حقِّه.

في المشهد الثاني، ينقل الشاعر معاناة الفلسطينيين خارج أرضهم، ويعيد بطريقته الخاصة توظيفَ رمزِ “الريح” التي تعترضُ سُفُنَ الرجوع في الأسطورة الإغريقية. في ختام هذا المشهد لا ترجعُ سفنُ العائدين الفلسطينيين، يقول الشاعر: “عبثاً أحدِّقُ في البعيدِ”؛ على أن هذه النتيجة لا تؤثِّرُ في الخطابِ المقاوِمِ سلباً بل تعطيه واقعيةً ومصداقية. ومما يُلتَفَتُ إليه في القصيدة، أن الراوي يستعمل كلمةَ “أحبابي” عند الحديث عن العائدين. وهذه الكلمة بدلالتها وتركيبها الإضافي إنما تعلنُ التأكيدَ على علاقةِ حبٍّ ووحدةٍ وحقٍّ مشترَكٍ مشروع في الانتماء إلى الوطن. وتصل رسالة الشاعر الذي يحاول أن يرتفع بالواقع الفلسطيني المعيش إلى مستوى الأسطورة، وتبدو رؤياه الخاصة من خلال تركيزه على دور الفلسطينيّ المقاوِم داخل أرضه متمسكاً بصموده حاضراً ومستقبلاً. يختم درويش القصيدة مؤكِّداً: “سأظلًّ فوق الصخرِ… تحت الصخرِ… صامد”.

ننتقل إلى قصيدة سميح القاسم وعنوانها “خطاب في سوقِ البطالة” وهي قصيدة توظِّف الرمزَ الأسطوريّ يوليسيس بطريقة مختلفة لا تقوم على رؤيا مركَّبة تقتضي بناء شبكة رموز، بل تعتمد بناءً بسيطاً واضحاً يركِّز على قوَّة الرمز وقوَّة العبارة وجمالِها من خلال الاهتمام بالجرس الموسيقي واللجوء إلى عدة أنواع من التكرار: تكرار اللفظة وتكرار الصيغة وتكرار العبارة.

والقصيدة بمضمونها وأسلوبها شبيهةٌ بالخطاب كما يشيرُ عنوانُها، وهي تتألَّفُ من أربعة مقاطع، يختَم كلُّ مقطع من مقاطعها الثلاثةِ الأولى بلازمةٍ حُفِرَتْ في ذاكرة جيل من المؤمنين بحقِّ الإنسان الفلسطيني. يخاطب سميح القاسم عدوَّه:

” يا عدوَّ الشمسِ.. لكنْ.. لن أساوِمْ

وإلى آخرِ نبضٍ في عروقي.. سأقاوِمْ “

 

ويتغيَّر مسار القصيدة في المقطع الرابع والأخير، يقول الشاعر:

” في الميناءِ زيناتٌ، وتلويحُ بشائرْ

وزغاريدٌ، وَبَهْجَه

وهتافاتٌ، وَضَجَّه

والأناشيدُ الحماسيةُ وهجٌ في الحناجرْ

وعلى الأفقِ شراعٌ

يتحدَّى الريحَ.. واللُّجَّ.. ويجتازُ المَخاطرْ

إنها عودةُ يوليسّيزَ من بحر الضياعْ

عودةُ الشمسِ، وإنساني المُهاجِرْ

ولعينيها، وعينيه.. يميناً.. لن أساوِمْ

وإلى آخر نبضٍ في عروقي

سأقاومْ

سأقاومْ

سأقاومْ “

يظهر الرمز الأسطوري يوليسيس محاطاً بما يشبِه الرؤيا المستقبلية المتفائلة، وفي القصيدة رمزٌ ثانٍ هو رمز من رموز الطبيعة يتكرَّر ليوظَّف دلالياً ضمن سياقَيْن متجابهَين: في القصيدةِ كلِّها يخاطبُ الشاعرُ عدوَّه بتعبيرٍ قويّ: “يا عدوَّ الشمس”، ومع قوة العبارة التي تجعل من العدوّ الإسرائيلي عدواً للحقِّ وللحرية وللحياة، يكتسب رمزُ العَوْدةِ المستوحى من الأسطورةِ الإغريقيةِ قوةً إيحائيَّة.

فالشاعر يربط عودة يوليسيس/ الإنسان الفلسطيني المهاجر بعودة الشمس بكلِّ ما تحمله رمزياً من دلالات، ويغدو الأملُ اليقينيّ بالعودة حافزاً إضافياً يزيد صلابة موقف المتكلِّم الذي يمثِّل الإنسانَ الفلسطيني المضطهَد في أرضه. بتمسُّك القاسم بهذا الدور نراه يلتقي مع درويش في توظيف الرمز الأسطوري؛ فكلٌّ من الشاعرَين ينطلق من الواقع ويتجاوزه في بناءٍ شعريّ يختَتَم بتأكيد استمرار الصمود والمقاومة.

ختاماً نقول إن دراسة دور الرمز التراثيّ في الخطاب الشعريّ المقاوِم تستحقُّ وقفة متأنِّية يعود فيها الدارس إلى النصوص الشعريَّة الكاملة ويربطها بإطارها الزمني. وهذا ما يمكن أن تقدِّمه أبحاثٌ موسَّعةٌ متخصِّصة.

د. عبير النجمي

شاهد أيضاً

ندوة “عاشوراء نبضة الألم ونهضة الأمل” في معهد المعارف الحكمية

شارك الملتقى الثقافي الجامعي في ندوة أقامها عصر يوم الإثنين في 11 أيلول 2023 معهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *