الرئيسية / ندوات / “دا” مابين السيرة الذّاتية والرّواية

“دا” مابين السيرة الذّاتية والرّواية

“دا” مابين السيرة الذّاتية والرّواية

ده.خديجة عبدالله شهاب([1])

 

تخربش “دا” على جدار القلب بما يثير فيك كل المشاعر دفعة واحدة، فمن عطف وشفقة إلى وجع وألم، فاشمئزاز وحيرة، وتكتب في الفكر النقديّ الكثير من التساؤلات المتشعبة، منذ اللحظة التي تحملها بين يديك.

ففي أعلى صفحة الغلاف إلى جهة اليسار تعثر على جملة ” سادة القافلة21″ فتعرف عندئذٍ أنك أمام سلسلة ثقافيّة تؤرخ للعظماء الذين تركوا بصمتهم في تحرير الشّعوب من ربقة الاحتلال والظلم والمرافق له.

في منتصف الغلاف وفوق الاسم مباشرة تقرأ ” ذكريات السيدة زهراء حسيني، تدوين السيدة أعظم حسيني”  وتجد الصيغة ذاتها حين تلج الرواية في الصفحة الأولى مباشرة بعد الغلاف ما يُحليك إلى أدب السّيرة الذاتيّة، وقد جاء في بعض التّعاريف أنّها “حكي استعادي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة” ([2]) كما يوضحها جيرار جينيت بقوله :” مصير ذاتيّة حقيقية، وصيغة (سرد استعادي على لسان المتكلم) ”

الأمر الّذي يدفعك إلى تحليل هذا التعريف فتقسّمه إلى العناصر الآتية:

1- الصياغة: وهي تتحقق باللجوء إلى الحكيّ أو القصّ أو السّرد، وإلى استعمال الأسلوب النثري. وهنا نعثر على سرد للسيدة ” زهرا” إذ تقول: مضت أشهر عدّة ولا خبر عن والدي الّذي كان نادرًا ما كان يأتي إلى البيت بسبب نشاطه السياسي” الرواية ج1- ص21،، وقد هيمن السرد على صفحات كثيرة من العمل.

2- موضوع السّيرة ([3]): و”يتناول حياة فرد وتاريخ شخصية معينة ومحددة في إطارها الزّماني والمكاني”، وتحت هذا العنوان نتناول حياة السيدة زهرا وعائلتها ومجتمعها، أثناء الحرب التي فرضت على إيران في العام 1980، أمّا الأمكنة التي ذُكرت فهي متعددة : منها على سبيل المثال لا الحصر كبيت العائلة في البصرة، وبيتها في خرمشهر، وفي سربندر، وفي طهران، وبيت الزوجية للسيدة زهرا حيث انتقلت إلى غير بيت وفي غير مكان، وذلك بحسب ما كانت تفرضه ظروف الحرب، والظروف الصحيّة للسيدة زهرا، ومن هذه الأمكنة السجن، مستشفى مصدّق، المقبرة، المغسل، القبر، الساقية، المسجد الجامع، الشوارع، جبهة القتال( الخطوط الأماميّة للجبهة)، أمّا الأزمنة فكانت على مرّ الفصول لأنّ السرد استغرق مساحة زمنية تمتد لعشر سنوات.

3- وضعية المؤلف: وتتمثل في مطابقة شخصية المؤلف ( الذي يحمل اسم شخصية واقعيّة حقيقيّة) لشخصية السّارد ولو كان الضمير المستعمل أحيانًا هو ضمير الغائب، وليس ضمير المتكلم، وهذا يتطابق تمامًا على “دا”، فهي تحدثت عن أبيها ، وأخيها ، وأختها وأمّها، وكل من كان يدور في فلك عملها، وأينما تنقلت في حياتها.

4- وضعيّة السّارد:

أ – تطابق السّارد مع الشّخصيّة الرئيسة: ويتمثل في شخصيّة السيدة زهرا وهي تسرد الأحداث التي مرّت بها هي وأهل بلدها، وقد خلّفت وراءها الكثير من الدّمار، وأزهقت الكثير وتركت الكثير من الجرحى، والمعوقين والأيتام والأرامل.

ب- منظور استرجاعيّ للقص والحكيّ: ” في تلك السنوات كنّا نعيش في مدينة البصرة السّاحلية، جنوبي العراق، وبيتنا في حيّ الرباط الّذي يسكنه المهاجرون” “دا” ج1- ص22 ، وتبين ذلك من خلالا التفاصيل الصغيرة التي كانت تذكرها، كأن تخبرنا عن الأحياء الصغيرة، والشوارع الرئيسة كشارع ” الفخر الرازي”، والمستديرات كمستديرة “ارديبهشت” ودروازه”، والمدن الكبيرة والصغيرة منها،كمدينة أبادان،والأسواق كسوق”صفا” التجاري كلّها أماكن لا تزال ماثلة في ذاكرة من عاصروا هذه الحرب، أضف إلى ذلك ، فقد أرفقت العمل بملاحق تؤكد فيها تواريخ انطلاق بعض المعارك المهمة، وكل ذلك يؤكد حقيقة ما جرى، وأنّ النقل بعيد من التخيل، وهو أمر واقعي.

ما تقدّم الحديث به ينطبق على ما ورد في “دا” فهناك سرد يؤرخ للحرب التي اشتعلت بين النظام البعثي الذي كان يحكم العراق آنذاك وإيران واستمرت لما يقارب العشر سنوات سُكفت فيها دماء المسلمين، لا لشيء إلا ليضعف الغرب شوكة المسلمين فتسهل له السيطرة على الموارد الطبيعية في بلادهم.

ننتقل إلى أسفل الغلاف، ومباشرة تحت الصورة إلى جهة اليمين خُتم عليه ” الرّواية التي طُبعت أكثر من مئة مرّة وتُرجمت إلى لغات عديدة” وحين نصل إلى تعليق “الإمام الخامنئي” الموجود مباشرة بعد الإهداء نعثر في الجملة الأولى منه على ” إنّ كتاب دا”.  أمّا المحررة أيّ السيدة أعظم حسيني، فهي تخرج عن كل الأنّواع فتقول “في دا” فهي عندها” اسم لسيدة، أو هي تسمية الأم في اللغة الكرديّة. وهنا يبدأ الخلط وتتوه في أفكارك، أيّ التسميات أفضل؟ لا بل إلى أيّ جنس أدبي مما تقدّم الحديث به تنتمي؟

يقول عبدالرحمن منيف، “الرواية سيرة من لا سيرة لهم” ويقول جورج ماي، في كتابه “السيرة الذاتية”: “الرواية والسيرة الذاتية هما شكلان يمثلان قطبين لجنسٍ أدبي مترامي الأطراف، يجمع بين الآثار المنضوية فيه أنّها تتخذ من حياة إنسان موضوعًا لها”، و يرى أستاذ الأدب في جامعة الملك سعود في الرياض سلطان بن سعد القحطانيّ، بعد أن تحدّث عن مجموعة من الفروقات الجوهرية بين الرواية والسيرة: “لا يمكن أن تكون الرواية سيرة ذاتية، ولا السيرة يمكن أن تكون رواية، وقد اجتهد النقاد في تعريفها وفصل كل منها فصلاً ليس بالكليّ؛ ليكون لكل منها شخصيته المميزة، ولذلك يجب علينا أن نحافظ عليها بتعزيزها وليس بخلطها”.

إن الاختلاف الكبير في رؤية العلاقة بين الرواية والسيرة، اختلاف مشروع تبرره – في الأساس- “مرونة تعريف كل من الرّواية والسيرة، وأنّ الرواية تستوعب كل الفنون الإبداعيّة، بالإضافة إلى تنوع طريقة كتابة السيرة والرواية وأسلوبها، ما يجعل من الفصل القاطع بين الرواية والسيرة غير ممكن” ([4])، لا يمكننا أن نسلّم بهذه المقولة ، وهي تحتاج إلى التحليل والتعمق في الدّراسة.

بالاستناد إلى آراء النقاد والمهتمين بالنقد الأدبي والدّراسات النقدية من العرب ومن غير الغرب الذين لهم باع طويل في هذا المجال، نصل إلى أنّ هناك فوارق تجعلنا لا نخلط بين الأجناس الأدبيّة وأنه ” يمكن القول في النهاية إنه إذا كانت السيرة الذاتية هي سرد سيرة حياة إنسان، ورصد منجزاته، وإذا كانت الرّواية فنًا أدبيًا سرديًا له مقوماته الفنية وسماته الجماليّة المعروفة، فإنّه بالضرورة يكون هناك تداخل واضح بينهما، ذلك أن سارد السّيرة الذاتية يحكي رواية حياته، وسارد الرواية يصنع سيرًا ذاتية خيالية لشخوص لا بد لها في نهاية الأمر من أن تتمثل واقعيًا في وعي المتلقي ليستقبلها”([5]). وبالاستناد إلى التعريفين السّابقين للسيرة الذّاتيّة، وللرواية يتبين الفرق بينهما “بوصف الرواية “متخيلًا سرديًا” يقوم على أحداث ليست لها مرجعيات واقعية حقيقيّة، أيّ لا يتطابق الحكي فيها مع أحداث واقعية، فمجتمع الرواية من سارد وشخصيات، وما يُحاك بينهم من حكايات وأحداث لا تحيل إلى حياة الكتاب، ولا يحق لأحد أن يربط بين ما في الرواية من عناصر وحياة الكاتب([6]). وعليه نصل لأن نقول إنّ “دا” ليست كتابًا كما يُتدوال بين الناس، فهذا التعريف يفقدها الكثير من أهميتها على المستوى السردي، فالكتاب عادة يناقش نظريّة، أو يطرح إشكاليّة، بينما هي تعرض لحياة مجتمع بأكمله.

هي ليست رواية لأنّ ما وضعنا اليد عليه من أحداثها تشير إلى أنّها أحداث حصلت فعلاً، ولا تنقل أحداثًا متخيلة، وبالتالي فهي حسب رؤيتي جاءت متطابقة مع  مواصفات السِيَر، ما يعني أنّها سيرة ذاتية بامتياز، تأتي في إطار سلسلة من الأعمال لتسلط الضوء على أصحابها، لذا نرجو من القيّيمين على الطباعة، إن طُبعت منها نُسخ جديدة تصويب هذه الأخطاء كي لا يتعزز الخلط بين الأجناس الأدبيّة بين النّاس، ولنعيد أدب السّيرة ألقه بعد أن كاد يفقده.

 

– أستاذ دكتور في الجامعة اللبنانية قسم اللغة العربية. وأحد رئيسي تحرير مجلة أوراق ثقافية مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين ، والملتقى الثقافي الجامعي تشرف على العديد من رسائل الماجستير ، وأطاريح الدكتوراه [1]

– فيليب لوجون: السيرة الذاتية – الميثاق والتاريخ الأدبي [2]

، الجزائر  – الدكتور الطيب بودربالة، من السيرة الذّاتية إلى السيرة الرّوائيّة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية  جامعة باتنة[3]

 

 

[4]– موسى إبراهيم أبو رياش، السيرة الذاتية والرواية: اتفاق أم افتراق؟ القدس العربي،1- ديسمبر 2019، تاريخ الزيارة السبت في 10-4-.2021

-م, ن [5]

– م، س.[6]

شاهد أيضاً

ندوة “عاشوراء نبضة الألم ونهضة الأمل” في معهد المعارف الحكمية

شارك الملتقى الثقافي الجامعي في ندوة أقامها عصر يوم الإثنين في 11 أيلول 2023 معهد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *